سلفتي

القعدة اتفضت وكل واحد نزل شقته وهو بيجرجر خيبته وعاره، بس الحساب الحقيقي كان لسه هيبدأ فوق، بين أربع حيطان، مطرح ما انكسرت زمان واتركنت كأني ماليش عازة.

طلعت شقتي على مهلي، خطوة ورا خطوة، دقات كعبي على السلم كانت بتدق زي الطبول، ودخلت ورا أبو فادي وقفلت الباب بالمفتاح، وحطيت المفتاح في جيبي بصوت تكة مسموعة رنت في الصالة الفاضية.

أبو فادي كان واقف في نص الصالة، وشه بهتان، عروقه نافرة، قميصه مبلول عرق كأنه كان في حلبة مصارعة. أول ما سمع صوت المفتاح بيلف في الكالون، اتلفتلي وعينيه تايهة ومفروسة، حاول يستجمع بواقي الجبروت اللي داس بيه عليا من كام أسبوع، وشخط فيا بصوت بيهتز من الغيظ:

«عاجبك الخراب اللي عملتيه تحت ده يا حنان؟! عاجبك فضيحتنا قدام أعمامي وأبويا؟! إيه شغل الحواة وقلة الأصل دي؟ بقى تطلعي فواتير وتعملي مؤامرة عشان تسودي وشي قدام العيلة كلها وتطردي الغلبانة أم الأيتام؟!».

فضلت واقفة مكاني، ساندة ضهري على الباب، مربعة إيديا، وببص له بنظرة هادية وباردة خلت ريقه ينشف. ما زعقتش، ولا رفعت صوتي بنبرة واحدة، بس رديت بكلمات متقاسة بالمسطرة:

«غلبانة؟ أم الأيتام؟ لسه برضه لسانك بينطق باسمها بعد ما شربتك المر وخلت سيرتك في الطين؟ ده أنت لسه راميها تحت قدام أهلك بالمداس عشان تنجي رقبتك من تهمة أكل مال اليتيم والمسخرة اللي كانت معمولة في بيتك.. جاي دلوقتي تستقوى عليا أنا بريشتين فاضلين في جناحك المقصوص؟».

قرب مني خطوة، عينه بتطق شرار وإيده اترفعت في الهوا كأنه هيمدها، بس ثبتت مكاني ونظرتي ليه كانت أصلب من الحجر. قلتله بصوت واطي بس حاد زي الموس:

«نزل إيدك دي يا أبو فادي.. إيدك دي ما تترفعش غير على اللي زيك. كلمة زيادة، أو حركة غبية، وهتلاقي الفواتير الأصلية اللي شايلها كشف حساب البنك بعينها في إيد عمك الكبير الصبح، ووقتها القعدة الجاية مش هتكون عتاب.. هتكون في المحكمة بتهمة تبديد مال قُصّر، وساعتها لا عزة هتنفعك ولا هتعرف تحط عينك في عين حد في البلد».

إيده اتجمدت في الهوا، عينه وسعت برعب حقيقي، ونزل إيده بالراحة وهو بيبلع ريقه بصعوبة. أدرك في اللحظة دي إنه مبقاش بيتعامل مع حنان الطيبة الساذجة اللي بتعيط في المطبخ، بقى بيتعامل مع واحدة عارفة كل ثغرة وكل ورقة وكل فضيحة تقدر تدفنه بيها في ثواني.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *