كان اخويا الكبير واقف قدامي

محمود كان ماشي جنبي بهدوء عجيب، ماسك شنطتي الرياضية في إيده، وكأن المشهد المأساوي اللي حصل جوه ده ما كانش غير تمرين إحماء بسيط قبل ما ينقل معايا العفش.
فتح باب العربية وطلع قزازة مية كانت في الكرسي الوراني، وناولها لي وهو بيبص لي بنظرة دافية ومهدئة: “اشربي بالراحة يا سلمى… ألف سلامة عليكِ.” مسكت القزازة وإيدي لسه بتترعش، مش من الخوف، لكن من كمية الأدرينالين اللي كانت بتغلي في جسمي. شربت بق ووجع حلقي بيقل تدريجيًا، وبصيت له وأنا مش مصدقة السرعة والاحترافية اللي اتعامل بيها: “أنت عملت كده إزاي يا محمود؟
الراجل ده وزنه أكتر من مية كيلو وكانت كل الناس بتخاف منه!”
محمود دور العربية واتحرك بهدوء وسط زحمة شارع الطيران، وقال ونظراته مركزة على الطريق بثبات: “القوة عمرها ما كانت بالوزن ولا بضخامة الجسم يا سلمى. القوة في الهيدان والثبات، وفي إنك تبقي عارفة نقطة ضعف اللي قدامك وتستغلي غشمه وضغط عصبه ضده. اللي اسمه شريف ده متعود يتعافى على المبتدئين عشان يشبع نقصه، والنوعية دي أول ما بتلاقي حد فاهم ومش خايف منها، توازنه كله بيقع في ثانية.”
سكت لحظة، وبعدين بص لي بنبرة هادية بس فيها حزم أخوي أصيل:
“أنا مش زعلان إنك اتعلمتي رياضة قتالية، بالعكس، دي أحسن حاجة عملتيها عشان تبني شخصيتك… بس كنت زعلان وأنا شايفك بتستسلمي له. أوعي في حياتك تسمحي لحد يضغط عليكِ أو يوهمك إن العيب فيكِ لما هو يتعدى حدوده. الحق مايتسكتش عليه.”
حسيت بدمعة محبوسة بتنزل على خدي، بس المرة دي كانت دمعة ارتياح. حط إيده على كتفي وطبطب عليا، وبعدين غير الجو بضحكة خفيفة: “يلا بقى عشان نلحق النقالين في الشقة الجديدة… شغل العفش الصعب مستنينا، والنهارده يوم طويل.”
ابتسمت من قلبي وسندت رأسي على شباك العربية.
وفي اللحظة دي، عرفت إن الخوف اللي كان كاتب نفسي لسنين اختفى تمامًا، مش بس لأن أخويا كان ظهري، لكن لأن المشهد ده علم طريقي إن القوة الحقيقية بتبدأ لما ترفض تكون ضحية.
وصلنا العمارة الجديدة في مدينة نصر، وكانت عربية النقل واقفة تحت والعمال مستنيين. أول ما نزلنا من العربية، محمود اتعامل معاهم بمنتهى الذوق والتواضع، بس في نفس الوقت كان مسيطر على المشهد بذكاء. ما اكتفاش بإنه يوجههم، ده شال معاهم الصناديق التقيلة.


