متجوز علي مراتي

ـ امشي من هنا يا أستاذ.. وجودك ملوش أي معنى ولا كرامة، الباب ده اتقفل في وشك ومش هيتفتح تاني، والمحامي هو اللي بيني وبينك.
صرخت بضعف ودموعي نازلة تحرق خدي:
ـ متعمليش كدة يا نسمة، أنا اتعاقبت وربنا جابلك حقك تالت ومتلت، شهيرة خدت كل حاجة ورمتني.. اسمعيني بس ونرجع لعيالنا!
كنت مستني نسمة تشمت أو تزعق، لكن اللي صدمني وقطع قلبي حتت كان صوت صغير قرب من فتحة الباب.. صوت بنتي نور.
قالت بنبرة طفولية بس مليانة جفا ووجع سنين:
ـ امشي يا بابا.. إنت نسيتنا هناك عند العمليات وقولت إنك مش عايزنا، وإحنا كمان خلاص نسيناك ومش عايزينك.. متخبطش على بابنا تاني!
رجعت لورا خطوة، ساند ضهري على الحيطة في مدخل السلم، الدموع مغرقة وشي، وصوت بنتي بيرن في وداني زي الحكم بالإعدام. حسيت بسواد ملوش آخر بيقفل عليا، واقف في الشارع خالي الوفاض، لا بيت، ولا مال، ولا عيال، أدركت ساعتها إن اللي بيخسر بناته وأصله عشان وهم.. بيفضل طول عمره غريب ومكسور، ومفيش باب في الدنيا هيرضى يتفتحله تاني.
حاولت مرة واتنين وتلاتة، روحت بيت حمايا بالساعات، وقفت تحت البلكونة، بعت وسايط وناس كبار من العيلة يترجوها، بس كان الباب مقفول بالضبة والمفتاح، ونسمة حلفت ما يجمعني بيها سقف واحد تاني، وبناتي كانوا بيستخبوا أول ما يلمحوا خيالي من الشباك.
وفي وسط المحاولات المستميتة دي، دخلت شهيرة على الخط بلؤم وخبث ميتوصفش؛ عرفت بنزولي ومرواحي لبيت نسمة، وساعتها قررت تحط النقط على الحروف وتلعب بآخر كارت في إيدها. وقفت قدامي في الصالة وحطت ابنها على رجلها، وبصتلي بنظرة كلها مساومة وقالت بنبرة هادية بس قاطعة كالسيف:
ـ اسمع بقى عشان نجيب من الآخر.. حركات المراهقة دي متلزمنيش. إنت ليك هنا ابن وفلوس ومستقبل، والست التانية قفلت بابها في وشك وبناتها استعروا منك ورفعوا عليك ق\ضية خلع. قدامك حل من اتنين: يا تطلق نسمة بالمعروف وتنسى السكة دي خالص وترجع تعيش هنا وتربي ابنك في حضنك، وتاكل من خير مالك وشغلك.. يا إما تفضل تجري وراهم، وساعتها هاخد الواد والفلوس وأسافر بيهم بلد أهلي، وعمرك ما هتلمح ضفره تاني!
حسيت الدنيا بتضيق في وشي لحد ما اتخنقت. كنت ضعيف، مكسور، ومعنديش مليم أبدأ بيه من الصفر، والأهم من ده كله، الرعب من إني أخسر الولد بعد ما خسرت بناتي شل تفكيري تماماً.




