ابويا واقف في مطبخي

وقبل ما أقفل المكالمة، الممرضة قالت والدك كان مصر جدًا إنك ما تتكلمش مع مراتك عن الظرف، لحد ما تقابل الأستاذة إيمان. وقفت مكاني. رانيا؟ هي مالها بكل ده؟ آسفة يا أستاذ، أنا فعلًا ما أعرفش.
قفلت المكالمة. فضلت واقف ثواني مش قادر أتحرك. وبعدين نزلت بسرعة وركبت عربيتي. طول الطريق للمستشفى، دماغي كانت بتلف في نفس السؤال إيه اللي أبويا اكتشفه في أوراق التبني القديمة؟ وليه، قبل ما يدخل عملية ممكن ما يخرجش منها كان أهم تحذير عنده إني ما أقولش لمراتي؟
وأول ما دخلت الاستقبال، لقيت محامية قاعدة مستنياني، وفي إيدها ظرف بني مقفول. بصت لي وقالت إنت كريم؟ هزيت راسي. مدت الظرف ناحيتي. ده والدك طلب مني أسلمهولك شخصيًا. أخدته. وقبل ما أفتحه، قالت بس لازم تعرف حاجة قبل ما تقرأه. إيه؟
بصت لي بجدية وقالت والدك ما كانش خايف إن مراتك تعرف اللي جواه من غير سبب. سكتت لحظة. هو كان خايف إنها تعرف إنك عرفت الحقيقة. حكايات بسمة سكنت الطرقات والممرات حولنا في مستشفى الجامعة بالمنصورة، ورائحة المعقمات تحيط بي كخناق يضيق على أنفاسي.
كنت أسمع صوت أجهزة مراقبة النبض القادمة من خلف أبواب غرفة العمليات المغلقة كأنها دقات ساعة تحسب ما تبقى من عمر أبي… أو ما تبقى من حياتي الهادئة التي ظننت أنني بنيتها على أساس من الصدق والاستقرار. وقفتُ وسط الممر ممسكًا بالظرف البني الثقيل بين يدي.
كانت المحامية إيمان رشدي ترتدي بذلة رسمية داكنة، ونظراتها تنم عن صرامة واحترافية بالغة، لكن عينيها كشفت عن قدر كبير من الشفقة تجاهي. سألتُها بصوت مبحوح خرج بصعوبة ما الذي يعنيه كلامكِ يا أستاذة إيمان؟ ماذا يوجد داخل هذا الظرف؟ ولماذا رانيا بالتحديد؟
أشارت المحامية نحو مقاعد الانتظار الخشبية في زاوية هادئة بالقرب من العناية المركزة، وقالت بصوت خفيض أستاذ كريم… والدك عم حسن جاء إلى مكتبي منذ يومين فقط. كان جسده مجهدًا للغاية، لكن عقله كان في أوج صفائه وثباته.
أخرج من جيبه ألف جنيه، وقال لي هذا كل ما أملكه الآن، وأريدكِ أن تراجعي لي هذا الملف وتثبتي صحة الأوراق قانونيًا. ولما قرأتُ الملف، أدركتُ فورًا أن هذا الرجل اقتطع القوت من فمه، وحمل الإهانة في بيت ابنه، ليحميك من خطة طُبخت بدم بارد.




