حماتي ومراتي

الجزء الرابع الدرس الأكبر والقرار الصعب
مرت الأيام، وازدادت حاجتهم. هالة بدأت تتصل بي كل يوم برسائل مختلفة تارة تبكي، وتارة تبرر، وتارة تطلب مساعدة مالية عاجلة. كريم جاءني مرات كثيرة، يجلس على الدرج أمام بيتي لساعات طويلة دون أن يجرؤ على الطرق. لم أفتح له الباب، لكنني كنت أراقب من النافذة وأدعو له بالهداية.
ذات يوم، كنت عائدًا من الجمعية الخيرية التي أسستها بجزء كبير من المبلغ، وجدته لا يزال جالسًا هناك، وجهه أصبح أطول، وعيناه باهتة. نزلتُ إليه، وجلستُ بجانبه على الدرج، وسكتنا معًا دقائق طويلة. ثم تحدث هو أولًا بصوت متهدج
كنت فاكر إن الفلوس هي اللي بتصنع الأمان. خسړت أبي عشان راحة مؤقتة، والآن أنا مش عارف كيف أتكلم معاك. كل يوم فاطمة تسألني فين جدي؟ وليه مش جاي يقرأ لي قصة قبل النوم؟ وما أقدرش أنظر في عينها وأكذبها.
مسحتُ على كتفه ببطء
أنا مش عايزك ټعذب نفسك يا كريم. وما أنا بكرهك.. أنا بس عايزك تفهم شيء واحد الاحترام ما بيتجزأ. إما تحترمني وأنا معاك في السراء والضراء.. أو ما فيش علاقة تستمر. مش عايزك ترجع لي عشان الفلوس.. عايزك ترجع لي عشان تفهم إن أبيك كان يستحق أحسن من اللي حصل له.
أفهمك يا بابا.. وأعدك أنني سأثبت لك أنني أستحق أن أكون ابنك مرة أخرى. سأعمل وأجتهد حتى أستطيع أن أقف أمامك بكرامة، دون أن أطلب منك قرشًا واحدًا.
من ذلك اليوم، توقفت هالة عن الاتصال بي، لكن كريم بدأ يظهر بتصرفات مختلفة كان يرسل لي صورًا لفاطمة ويوسف، ويسألني كيف حالي باحترام دون أن يطلب شيئًا. أحيانًا كنت أراه يعمل إضافات في عمارة الجيران ليجني مالًا إضافيًا، وكنت أشعر بفخرٍ مؤلم في

قلبي.

الجزء الخامس العودة بكرامة وليس بضعف
مرت سنة كاملة. لم أدخل بيوتهم، لكنني كنت ألتقي بأحفادي في الحديقة العامة كل أسبوع. كنت أجلس مع فاطمة وأقرأ لها القصص، وألعب مع يوسف حين بدأ يمشي. لم أتحدث معهم عن أهلهم بسوء، بل كنت أخبرهم دائمًا الناس بتتعلم من أخطائها، والغد دائمًا أحسن.
وفي عيد ميلاد فاطمة الثامن، جاءني كريم وقدم لي ظرفًا مغلقًا
ده المبلغ اللي كنت أدفعه لك كل شهر وأنت معانا، زدت عليه قليل.. ليس كدين يا بابا، بل كاعتذار عن كل يوم أخذت فيه راحتك بلا مقابل. ما استخدمتش قرش من فلوسك.. كل ما أنفقته من تعبي وعرق جبيني. وأنا عايزك تعرف إنني الآن بقيت أقدر أقف على رجليّ بفضل الله ثم بفضل الدرس اللي علمتهولي إياه ببعده عنا.
فتحتُ الظرف، ورأيتُ المبلغ مع ورقة مكتوبة بخط كريم سأبقى أبنك يوم أكون أهلاً لذلك.
دمعتي سقطت على الورقة، وقمتُ واحتضنته لأول مرة منذ سنة. لم أقل شيئًا، لكن احتضاني كان يعني كل شيء.
بعد أسبوع، دعوتهم جميعًا لزيارتي في بيتي. عندما دخلت هالة، رأت أن البيت مكون من طابقين، وأن الطابق العلوي مجهز بأكمله بأثاث أطفال جميل، وغرفة نوم كبيرة، ومكتوب على الباب بخط واضح غرفة الجدة تزين وأحفادها. نظرت إليّ بدهشة
يعني.. هذا لنا؟
ابتسمتُ وقلت
البيت بيتكم دائمًا. لكن الشروط تغيرت من اليوم. أنتم ضيوف كرام هنا، لستم أصحاب البيت. الكل يساعد، الكل يحترم، والكل يتكلم باحترام. من يخالف القواعد.. يخرج بسلام. المال يُصنع وينتهي، لكن الأسرة إن ضاعت صعب ترجعها.
بكت هالة بندم حقيقي هذه المرة، ليس على المال.. بل على الكرامة التي أضاعتها بيدها.

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *