بنتي في الشهر الثامن من الحمل
الجزء الرابع الولادة الجديدة.. ليس فقط للطفل
بقيت مريم في المستشفى ثلاثة أيام. الحاجة فوزية كانت لا تغادرها،
تطعمها بنفسها وتجلس بجانبها تحكي لها قصص حياتها، وكأنها تعوضها عن كل ما حرمت منه من دعم في الأشهر السابقة. الحاج رؤوف جاء كل صباح باكراً، يحضر ما تحتاجه دون أن يطلب أحد منه، ويجلس في الزاوية يستمع دون أن يقاطع. لم يكن ثرثاراً كما عهدناه.. لكن أفعاله كانت تتحدث بصوت أعلى من كل الكلمات.
ذات مساء، كنت جالسة معهم في الغرفة، قالت الحاجة فوزية بابتسامة
تعرفي يا صفاء.. المۏت مش بس حين توقف القلب عن النبض. المۏت الحقيقي لما تُعيش حياتك كلها وتخفي ألمك خوفاً على مشاعر غيرك. اليوم ماټ الخۏف اللي عشته 35 سنة. وولدت من جديد.. أنا، ومريم، وكلنا مع هذا الطفل الصغير.
اتصل بنا الدكتور سعاد، الممرضة التي كانت السبب في اكتشاف الخطړ مبكراً، ليتطمئن على مريم. شكرتها بكل قلبي
أنتِ لم تنقذي حياة أم وطفل فقط.. كشفتِ سراً كان يأكل عائلة من الداخل. لو ما وقفتِ في تلك المحطة، ما كنا عرفنا الحقيقة أبداً.
ردت ببساطة
واجبي يا سيدتي. لكن العجوز الشجاعة هي اللي قررت تتكلم في الوقت المناسب. الشجاعة معدتها بتاريخ.. بتطلع حين تيجي اللحظة المناسبة.
الجزء الخامس العيد الحقيقي
بعد أسبوع، أخرجنا مريم وطفلها الذي أسموه رؤوف.. ليس تيمناً بجده فقط، بل كرسالة أن هذا الاسم سيعني من الآن فصولاً الحكمة والرحمة وليس الصرامة والكبرياء.
قررنا أن نحتفل بعيد ميلاد الحاج رؤوف ال 70، لكن ليس بالطريقة المعتادة. اجتمعنا في شقة مريم وكريم، ووضعت صينية بسيطة عليها شمعة واحدة فقط. الحاج رؤوف أشعلها بنفسه، ثم نظر إلينا وقال بصوت متهدج
كنت أظن أن عيد الميلاد هو احتفال بمرور سنة على ولادتك. اليوم عرفت إن العيد الحقيقي هو حين تفهم معنى الحياة قبل فوات الأوان. لقد خسړت ابناً قبل 35 سنة، وكادت أن تخسرني حفيدتي وحفيدي في نفس اليوم.. وربنا استجاب لدعوة لم أصرح بها، ووهبني فرصة ثانية. فلا تضيعوا أيها الأيام في الكبرياء والخلاف.. فاللحظة التي تظن أنها ستبقى للأبد، قد تكون آخر لحظة تملكونها.
نظر لزوجته فوزية ومسك يدها
وأنتِ.. سأقضي بقية عمري أحاول أن أكون أهلاً لصبرك الطويل. ما منحتيه من كرمة هذه الأيام، أكثر مما أستحقه.
بكت فوزية بفرح هذه المرة، وليس پألم
الفرصة الثانية هدية يا رؤوف. ونحن معاً من اليوم.. يداً بيد.
كريم عانق مريم وابنه وقال لي بصوت دافئ
شكراً يا حماتي لأنك وقفتِ حين طلبت منكِ ابنتي. لو كنتِ استمريتِ فقط دقائق أخرى.. ما كنتش أعرف إيه اللي كان هيحصل. سأظل مدين لكِ بعمري كله.
لا دين بين الأهل يا بني. بس وعدني.. تكون لها السند والسكن والأمان دائماً. هذه أمانة في عنقك.
أعدكِ. سأكون جندها وحارسها ما دمت حياً.



