حكايات مريم غريب

يضع يديه بجيبيّ بنطاله.. مطرقًا برأسه.. لكنه أحسّ بأمه حين جاءت و وقفت قبالته.. رفع رأسه على حين غرّة و استقرت عيناه بعينيها ..
ألمها أن تكره التحديق إلى عينيه الشبيهتان بعينيّ والده.. ينظر إليها كما لو إنه “يحيى البحيري”.. لكنها عمدت و على الفور إلى دحض هذا الشعور و أخذت ترمقه بتعاطفٍ هي أهله قائلة بصوتٍ هشّ :
-مش هاتودعني ؟
هز “عثمان” رأسه و رد عليها باقتضابٍ :
-أنا عمري ما ودّعتك.. و لا عمري هاودّعك يا فريال هانم.. و كنت أقدر أمنعك من السفر بسهولة.
فريال بسماحة : ماعملتش كده ليه ؟
تنهد “عثمان” و هو يعتدل بوقفته قائلًا :
-عشان مقدّر وضعك.. عارف إن جايز جدًا تكوني محتاجة فترة تفصلي بعيد عن البيت و عن كل حاجة حواليكي.. و كمان مطمن لوجود صفية معاكي.. لو مكانتش معاكي ماكنتيش هاتسافري مهما حصل.
أومأت له مرتان.. ثم تقرّبت منه حتى تشبثت بكتفيه.. تجذبه إليها فلم يمانع.. تركها تعانقه و لف حولها ذراع واحدة.. بينما تغمغم “فريال” و هي تدفن بالكاد وجهها في عنقه :
-انت ابني أنا.. صحيح دم عيلة البحيري بيجري في عروقك.. صحيح إنك تشبههم في الشكل و الصفات.. لكن انت تربيتي.. و عمرك ما خذلتني.. أنا ثقتي فيك مالهاش حدود.. و دلوقتي مابثقش في حد غيرك يا عثمان.. أرجوك.. خليك زي ما انت اوعى تتغيّر.. اوعى تخذلني !
كان يعي تمام المغزى من وراء كلماتها.. و فهم جيدًا الرسالة التي أرادت إيصالها إليه.. أمسك بيديها ما إن ابتعدت عنه.. رفعهما إلى فمه ليقبلهما مطوّلًا.. ثم نظر لها من جديد و قال بصوتٍ أجش :
-و أنا أرجوكي.. خدي بالك من نفسك.. لو حبيتي تكسريني هتئذي نفسك يا فريال هانم.
ترقرقت الدموع بعينيها الجميلتان و هي تقول من تحت وطأة غصّتها :
-ما عاش و لا كان إللي يكسرك.. ماتقلقش عليا.. أنا هابقى كويسة.. أوعدك.
إلتمعت عيناه هو الآخر و رد بهدوءٍ :
-لو احتاجتي أي حاجة كلّميني.. هكون عندك فورًا.. لما توصلي طمنيني.
أومأت له موافقة.. و قد كانت تشد على يديه بقوة.. و كأنها تستمد منه قوتها.. استغرقها الأمر بعض الوقت لتعلن جاهزيتها للمغادرة ..
أفلتت يديه أخيرًا و سحبت نفسًا عميقًا و هي تواجه العائلة للمرة الأخيرة.. ثم تركتهم متوجهة نحو الخارج و قد أمهلت ابنتها بضعة دقائق أخرى لتلحق بها ..



