مراتي

بعد شهرين من الواقعة دي، كانت الأمور استقرت تماماً. المحكمة حددت أول جلسة لكريم وبسمة، والقض*ية كانت مقفولة بالضبة والمفتاح؛ تقرير الطب الشرعي مع شهادة عم حلمي وتحريات المباحث مخلتش للمحامي بتاعهم ثغرة واحدة يتحرك فيها.
في يوم الجلسة، ماجدة رفضت تيجي معايا. قعدت في البيت، وأنا نزلت لبست بدلتي ورحت المحكمة.
أول ما دخلت القاعة، عيني جت على قفص الاتهام. كريم كان واقف دقنه طالعة، خاسس للنص، وبسمة واقفة في الركن وبتعيط بانهيار. أول ما كريم شافني، عينه لمعت بأمل كاذب، افتكر إني جاي في آخر لحظة عشان أتنازل أو أهون عليه.
بدأت الجلسة، والمحامي بتاعه حاول يستميل قلب المحكمة، وقال إن المتهم ابن المجني عليها ومكنش يقصد، وإنها مجرد خلافات عائلية أدت لسوء تفاهم.
القاضي بص لي بصفتي المدعي بالحق المدني والولي الطبيعي، وسألني: “سيادة اللواء فاروق الشناوي… هل عندك أقوال تحب تضيفها؟ أو في نية للتصالح كون المتهم ابنك؟”
وقفت بثبات، القاعة كلها كانت هس. بصيت للقاضي وقلت بصوت جهوري ملوش رجعة: “يا سيادة المستشار، المتهم اللي واقف في القفص ده مجرد من أي صلة رحم. القانون مبيفرقش بين غريب وقريب لما تنعدم الإنسانية. أنا هنا مش بطالب بحق ابني، أنا بطالب بحق زوجة وأم كانت بتموت بالبطيء وهي بتثق في ابنها. أنا بطلب توقيع أقصى عقوبة”.
كريم في اللحظة دي صرخ من ورا السلك: “ليه يا بابا؟ حرام عليك! أنا ابنك الوحيد! هضيع مستقبلي؟”
القاضي خبط بالشاكوش: “بإيجاز!”
وبعد المداولة، صدر الحكم: السجن المشدد سبع سنوات لكريم وبسمة بتهمة الشروع في الق*تل والسرقة بالإكراه.
خرجت من قاعة المحكمة وأنا حاسس إن في حمل اتشال من على كتافي، وفي نفس الوقت في حزن حفر في قلبي علامة مش هتمشي. بس الحق لازم كان يتعمل.
رجعت البيت، فتحت الباب، لقيت ريحة محشي ورق عنب مالي المكان، الروايح المصرية الأصيلة اللي بتطمنك إنك في بيتك. ماجدة كانت واقفة في المطبخ، لافّة المريلة، وبتغرف الأكل بانتظام وترتيب كالعادة.
بصت لي من فوق نضارة القراية وقالت بهدوء: “خلصت يا فاروق؟”
قربت منها، بوست راسها وقلت لها: “خلصت يا قلب فاروق. العدل اتنفذ، والصفحة دي اتقفلت تماماً من حياتنا”.
هزت راسها، ومسحت دمعة هربت من عينها بسرعة عشان متورينيش ضعفها، وقالت: “يلا عشان تتغدى.. الأكل هيبرد”.




