الاول طعم في يدا أليفه

اعتدل فاروق في وقفته، ثم قال:
_اعمل اللازم يا عبده، الراجل مش مستعجل عليها يا ابني.
خرج عبد الرحمن من أسفل السيارة، ثم أمسك بقطعة قماش قديمة ومسح بها يديه الملطختين بالزيت.
_خلاص… هطلع آخد دش على السريع، وأنزل أشتري كل اللي يلزمها.
ابتسم فاروق وهز رأسه.
_تمام، بس متتأخرش… إنت لما بتغيب، الدنيا هنا بتقف.
وقبل أن يجيبه، ظهر خالد من داخل الورشة، وهو يضحك ساخرًا:
_وبعدين يا عم فاروق؟ صاحب العربية دي مش هنخلص منه؟
توقف فاروق عن العمل، ونظر إليه بضيق.
_وبعد هلاك يا خالد…
الراجل محترم، إنت اللي مندفع يا ابني.
ألقى عبد الرحمن نظرة جانبية إلى خالد، ثم قال وهو يبتسم:
_اسمع وطنش يا خالد… هتكسب كتير.
التفت إليه خالد بسخرية.
_أنا مش زيك يا عبدو حنبلي… أنا مبسكتش على الغلط.
مساءً…
كانت خديجة تجلس في شرفة غرفتها، على مقعدها الخشبي الصغير، وأمامها طاولة تتناثر فوقها كتبها وأوراقها. تحاول مراجعة دروسها، بعدما بدأت أخيرًا تخطط لما بعد الجامعة، وللحياة التي تتمنى أن تصنعها بيديها.
وعلى الجهة المقابلة…
كان عبد الرحمن يقف في شرفة منزله، يحمل كوب الشاي بيد، وسيجارته باليد الأخرى، لكن عيناه لم تبتعد عنها، يتابع كل تفصيلة فيها دون أن يشعر بالوقت، وكأن وجودها أمامه أصبح طقسًا يوميًا لا يستطيع أن يبدأ ليله بدونه.
توقفت والدته خلفه، تأملت حالته لحظات، ثم قالت وهي تكتم ضحكتها:
_طيب هنفضل نقضيها نظرات يا واد ولا إيه؟
انتفض من شروده، والتفت إليها بابتسامة بريئة مصطنعة.
_بتقولي إيه يا ست الحبايب؟
لكزته في كتفه وهي تضحك:
_بقول إزيك يا سيد الناس!
انفلتت من عبد الرحمن ضحكة عالية، ارتفعت في سكون الليل حتى وصلت إلى الشرفة المقابلة.
رفعت خديجة عينيها عن كتابها.
توقفت يدها عن تقليب الصفحات، وتعلقت عيناها به.
لم تعرف لماذا ابتسمت…
ولا لماذا شعرت أن ضحكته تحديدًا قادرة على أن تجعل قلبها أخف.
كان في تلك اللحظة يعطيها ظهره، طويل القامة، عريض المنكبين، ببشرة خميرية زادها ضوء الليل دفئًا، وشعر فحمي ناعم تناثرت خصلاته فوق رأسه.
ظلت تحدق به للحظات، وكأنها تراه للمرة الأولى.
شاب اعتادت وجوده منذ سنوات…
لكنها بدأت تراه الآن بعين مختلفة.
ولم تنتبه إلى والدتها التي دخلت الشرفة تحمل كوب الشاي.
_عملت لكِ شاي يا حبيبتي.
لم تستمع اليها خديجة، لشرودها بمن خطف قلبها، توقفت والدتها خلفها، وتتبعت اتجاه عيني ابنتها، ثم ابتسمت ابتسامة
وضعت كوب الشاي أمامها، ثم سحبت مقعدًا بلاستيكيًا وجلست إلى جوارها.
_حلو… وابن حلال كمان. ربنا يجعله من نصيبك يا بنتي.
انتفضت خديجة، وكأن أمها ضبطتها متلبسة بشيء خطير.
_هو مين ده يا ماما؟




