حفله تخرج

مسكت الميكروفون وإيدي كانت بتترعش بس مش من الخوف.. كانت بتترعش من كمية الغل والوجع اللي حبسهم جوايا السنين دي كلها.
نظرات الناس كلها كانت متثبتة عليا.. فيه اللي بيبص بشماتة، وفيه اللي بيبص بفضول، وفيه اللي مستني يشوف الشاب اللي جايب جدته النظافة معاه الحفلة هيعمل إيه بعد ما اتهان قدام دفعة المدرسة كلها.
بصيت لست الكل.. لـ «ست فاطمة».. كانت واقفة جنبي، رأسها ميلة للأرض شوية، وإيديها المغضنة اللي الشقا حفر فيها كل خطوطه كانت ماسكة في طرف جيبتي بتوتر. كانت بتحاول تختفي.. بتحاول تصغر نفسها عشان ما تكسرنيش، مع إنها هي الوحيدة اللي كبرتني وسترتني في الدنيا دي.
حطيت الميكروفون على بقي، ومسكت إيدها التانية ورفعتها لفوق قدام الكل.. الصوت خرج من الميكروفون يرن في سقف القاعة المجهزة بأغلى الإضاءات والديكورات:
«شايفين الإيد دي؟ شايفين الخطوط والشقوق اللي فيها دي؟ الإيد دي هي اللي مسحت بلاط المدرسة دي عشان أنا ألبس البدلة اللي واقف بيها قدامكم النهاردة.»
القاعة سكتت خالص.. حتى الهمسات والضحكات الخبيثة اختفت فجأة. الصوت بقى صافي ورنان، وكأن المكان كله بقى في حالة ذهول.
كملت وأنا ببص في عيون زمايلي اللي كانوا بيتريقوا من شوية:
«الست دي.. الست فاطمة.. أمي وأبويا وجدتي وظهري وسندي في الدنيا. لما أمي ماتت وأنا بعمر يوم، وبابا سابني ومشى وما يسألش، الست دي كانت في الخمسين من عمرها. بدل ما ترتاح وتستنى حد يخدمها، شالت شيلتي.. صحيت كل يوم الساعة خمسة الصبح، تنزل في البرد والمطر، تمسح وتكنس في نفس المدرسة اللي أنتو بتبتوا فيها مرتاحين، عشان تقدر تدفعلي المصاريف، وعشان ما أطلعش أقل من أي حد فيكم.»
بصيت للولد اللي صرخ من شوية وقال «أنت جايب عاملة النظافة تتخرج معاك»، وقربت خطوتين بالراحة وأنا بتكلم في الميكروفون:
«أنت بتقول جايب عاملة النظافة؟ أيوه، أنا افتخر إن عاملة النظافة دي هي اللي ربتني وعلمتني أدب ورجولة يخلوك تكسف من نفسك النهاردة. شغلها الشريف ده هو اللي خلاني أطلع الأول على الدفعة دي كلها بالسنين، وهو اللي هيخليني أدخل كلية الهندسة وأنا مرفوع الراس.»
الدموع بدأت تتجمع في عين ست فاطمة، بس المرة دي ما كانتش دموع انكسار.. كانت دموع ذهول وفخر. بصلتها وابتسمت بقلبي قبل وشي، وهديت صوتي شوية وأنا بكمل كلامي للموجودين:



