قلوب ارهقها العشق

في أحياء القاهرة العريقة، وتحديداً في منزل عائلة إبراهيم الأسيوطي، حيث تتقاطع جدران القديم مع أحلام المستقبل، وفي تمام الساعة الثانية صباحاً بتوقيت القاهرة، كانت تنام فتاة على أرضية المطبخ الباردة. لم تكن هذه عادلتها، لكنها كانت محطة أخرى من محطات الإرهاق المستمر. وفجأة، وبدون مقدمات، سقط فوق وجهها دلو من الماء البارد لتستيقظ بفزع وخفقات قلب تسابق الريح. فتحت عينيها لتجد أمامها امرأة في الأربعين من العمر، تبدو على وجهها ملامح القسوة والاستغلال، وهي زوجة عمها المدعوة سميرة.
نظرت الفتاة أمامها بخوف ورعب وقالت بصوت خافت: “في إيه يا طنط؟ خير؟”
ردت سميرة بنبرة أمرية لا تقبل التراجع: “اتفضلي قومي قدامي حالاً علشان عايزكي تنضفي البيت ده كويس جداً قبل ما تروحي شغلك.”
رفعت الفتاة رأسها وقالت بتوسل: “يا طنط، احنا لسه في وقت متأخر قبل الفجر، اعمل إيه دلوقتى؟”
أجابتها سميرة ببرود وسط سخريتها المعتادة: “في ناس صحابي جايين عندي بكرة، ولازم البيت يكون زي الفل ومنور. هتقومي بالذوق ولا أجيب السنيورة أختك تعمل مكانك وتتعب في نص الليل؟”
فزعت الفتاة بسرعة بالغة وخوف شديد على شقيقتها الصغرى فقالت: “لا خلاص، أنا هقوم أعمل كل حاجة، بلاش تصحيها.”
ابتسمت سميرة بنبرة ساخرة وقالت: “قومي يا اختي، وابقي اعملي كام صينية كيك حلوين كده من إيديكِ اللي ما بينشفوش. تعالي هنا بصحيح، فين مرتبك بتاع الشهر ده؟”
تلجلفت الفتاة وابتلعت ريقها بتعلثم: “انتي عارفة يا طنط إني بجهز فلوس العملية بتاعت أختي، وكان لازم أجب لها علاج، فأخدت المرتب وجددت لها العلاج فوراً.”
تغيرت ملامح سميرة وهتفت بنبرة منزعجة: “علاج إيه وضيعتي المرتب كله في الهوا كده! ربنا يهديكم أنتي وأختك، ما هو مافيش فايدة.”
ثم التفتت ببصرها نحو القلادة الثمينة المعلقة حول عنق الفتاة، وارتسمت ابتسامة طامعة خبيثة على شفتيها، واقتربت لتمتد يدها نحوها، لكن استوقفتها يد الفتاة التي منعتها بهدوء وثبات رغم ضعفها.
سألت الفتاة بصوت مرتعش: “حضرتك عايزا إيه من السلسلة دي يا طنط؟”
أجابت سميرة بطمع ظاهر: “عجباني بصراحة ومن زمان قوي نفسي فيها، وأظن إنك مش محتاجة حاجة زي دي في ظروفكم دي.”
قالت الفتاة برجاء ودموع تلمع في عينيها: “أرجوكي، كل شيء إلا دي! دي الحاجة الوحيدة اللي بتقويني على الشغل وبتديني أمل في بكره.”



