في أحياء القاهرة العريقة، وتحديداً في منزل عائلة إبراهيم الأسيوطي، حيث تتقاطع جدران القديم مع أحلام المستقبل، وفي تمام الساعة الثانية صباحاً بتوقيت القاهرة، كانت تنام فتاة على أرضية المطبخ الباردة. لم تكن هذه عادلتها، لكنها كانت محطة أخرى من محطات الإرهاق المستمر. وفجأة، وبدون مقدمات، سقط فوق وجهها دلو من الماء البارد لتستيقظ بفزع وخفقات قلب تسابق الريح. فتحت عينيها لتجد أمامها امرأة في الأربعين من العمر، تبدو على وجهها ملامح القسوة والاستغلال، وهي زوجة عمها المدعوة سميرة. نظرت الفتاة أمامها بخوف ورعب وقالت بصوت خافت: “في إيه يا طنط؟ خير؟” ردت سميرة بنبرة أمرية لا تقبل التراجع: “اتفضلي قومي قدامي حالاً علشان عايزكي تنضفي البيت ده كويس جداً قبل ما تروحي شغلك.” رفعت الفتاة رأسها وقالت بتوسل: “يا طنط، احنا لسه في وقت متأخر قبل الفجر، اعمل إيه دلوقتى؟” أجابتها سميرة ببرود وسط سخريتها المعتادة: “في ناس صحابي جايين عندي بكرة، ولازم البيت يكون زي الفل ومنور. هتقومي بالذوق ولا أجيب السنيورة أختك تعمل مكانك وتتعب في نص الليل؟” فزعت الفتاة بسرعة بالغة وخوف شديد على شقيقتها الصغرى فقالت: “لا خلاص، أنا هقوم أعمل كل حاجة، بلاش تصحيها.” ابتسمت سميرة بنبرة ساخرة وقالت: “قومي يا اختي، وابقي اعملي كام صينية كيك حلوين كده من إيديكِ اللي ما بينشفوش. تعالي هنا بصحيح، فين مرتبك بتاع الشهر ده؟” تلجلفت الفتاة وابتلعت ريقها بتعلثم: “انتي عارفة يا طنط إني بجهز فلوس العملية بتاعت أختي، وكان لازم أجب لها علاج، فأخدت المرتب وجددت لها العلاج فوراً.” تغيرت ملامح سميرة وهتفت بنبرة منزعجة: “علاج إيه وضيعتي المرتب كله في الهوا كده! ربنا يهديكم أنتي وأختك، ما هو مافيش فايدة.” ثم التفتت ببصرها نحو القلادة الثمينة المعلقة حول عنق الفتاة، وارتسمت ابتسامة طامعة خبيثة على شفتيها، واقتربت لتمتد يدها نحوها، لكن استوقفتها يد الفتاة التي منعتها بهدوء وثبات رغم ضعفها. سألت الفتاة بصوت مرتعش: “حضرتك عايزا إيه من السلسلة دي يا طنط؟” أجابت سميرة بطمع ظاهر: “عجباني بصراحة ومن زمان قوي نفسي فيها، وأظن إنك مش محتاجة حاجة زي دي في ظروفكم دي.” قالت الفتاة برجاء ودموع تلمع في عينيها: “أرجوكي، كل شيء إلا دي! دي الحاجة الوحيدة اللي بتقويني على الشغل وبتديني أمل في بكره.” تنهدت سميرة بتفكير ثم قالت: “خلاص براحتك، مش عايزها دلوقتي، بس اعملي حسابك كل شغل البيت يخلص تماماً قبل ما تروحي شغلك.” غادرت سميرة المطبخ وتركت تلك الفتاة الشابة تبكي على حالها المنكسر. مسحت دموعها بظهر كفها، ونهضت بخطوات ثقيلة حتى تبدأ في تنفيذ ما طلبته زوجة عمها، متمنية أن تنتهي هذه الليلة الثقيلة على خير. الفصل الثاني: خلف سواتر الهموم بسسس… تعالوا نتعرف الأول مين البنت دي! مرام، فتاة تبلغ من العمر خمسة وعشرين عاماً، تخرجت من كلية التجارة، وتعمل محاسبة في شركة الشروق للمعمار. تبلغ من الجمال ما يكفيها لتكون محط الأنظار، لكنها ليست كغيرها من الفتيات؛ فهي تعشق عملها بجد، تحمل قلباً أبيض من طُهر الغمام، وهموماً أكبر بكثير من سنوات عمرها. الحياة دائماً لا تعطي الإنسان كل شيء، ولديها أخت واحدة فقط هي كل ما تملكه في هذه الدنيا؛ رهف، فتاة جميلة مشاكسة في الحادي والعشرين من العمر، تدرس في كلية الهندسة، وللأسف تعاني من عيب خلقي في القلب منذ طفولتها، وهي مخطوبة منذ سنتها الأولى في الجامعة لزميل لها أكبر منها بعامين، وهو الآن يقضي واجبه الوطني بشرف وبطولة في صفوف الجيش المصري بسيناء الحبيبة؛ أحبها بصدق وتقدم لخطبتها برغم كل الظروف. توفى والدهما ووالدتهما منذ أكثر من عشرة أعوام، وتعيش الشقيقتان حالياً في منزل عمها الراحل إبراهيم الذي توفى منذ عامين وترك خلفه بنات أخيه تحت رحمة زوجة عم لا ترحم، تستغل طيبتهم وحاجتهم الملحة لتبقى مرام في المنزل تحت سيطرتها. أنهت مرام أعمال المطبخ الشاقة وهي لا تقدر على الوقوف من شدة الإرهاق وقلة النوم، ولكنها فجأة استمعت إلى صوت عذب هز أواصال قلبها؛ إنه صوت أذان الفجر يصدح من المسجد القريب. ذهبت مسرعة لتتوضأ وتصلي فرضها بخشوع، وبعدما انتهت من صلاتها، جلست على سجادتها تبكي بخشوع تناجي ربها داعية: “لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، يارب ارحمني برحمتك واغفر لي يالله، اشفي أختي ونجيها لي، مش عايزا غيرها من الدنيا، طمعانة في رحمتك الواسعة يارب.” ظللت تدعو ربها حتى دقت الساعة السادسة والنصف صباحاً، فنهضت ونشطت لتجهز وجبة الفطور، ثم توجهت إلى غرفة شقيقتها الصغرى، وفتحت نافذة الغرفة بحنان حتى تدخل أشعة الشمس الدافئة وتوقظها. قالت مرام بمرح مصطنع: “قومي يا كسلانة، لسه نايمة حضرتك وعندك جامعة، أكيد سهرانة طول الليل مع حبيب القلب سي إسلام. أنا مش فاهمة الواد ده إزاي في الجيش ومعاه أيفون هناك، ده أنا بسمع إنه كتر خيره لو أخد معاه موبايل بكشاف!” كانت رهف تتصنع النوم بعمق حتى لا تستمع إلى سخرية أختها اللطيفة التي تسمعها كل صباح. أكملت مرام بجدية مازحة: “أنا عارفة إنك صاحية كويس، هتقومي ولا أقولك إنك تأخرتي على المحاضرة الأولى؟” نهضت رهف من فراشها مسرعة وقالت بنبرة لطيفة: “خلاص صحيت اهو، بس والنبي ما تقوليش لطنط ليلي حاجة. هو… هو إسلام كلمك ولا حاجة يا مرام؟” ظهر القلق على وجه مرام وقالت: “في إيه يا رهف؟ مالك يا حبيبتي خايفة كده ليه؟” أجابت رهف بصوت يكسوه الحزن: “أنا خايفة وموت من القلق عليه، علشان مكلمنيش من إمبارح خالص.” حاولت مرام تهدئتها: “إن شاء الله خير، اطمني مفيش أي حاجة، وبعدين هو أكيد عنده ظروف معينة في شغله، ده في الجيش يعني مش رايح يلعب. دي كلها سنة اللي أخدها، ما بالك بقى لو كان زي الناس اللي بتغيب سنين؟ احمدي ربنا كلها شهر واحد ويخلص الخدمة ويرجع لنا بالسلامة.” رهف بصوت مرتعش: “يارب يا مرام، بجد أنا خايفة قوي عليه، متنسيش إنه في سينا وكل يوم بنسمع أخبار تخلع القلوب.” مرام: “خير إن شاء الله اطمني تماماً. صحيح، أخدت علاجك بانتظام؟” رهف: “آها أخدته، بس أنا هفضل طول عمري أخد العلاج ده يا مرام؟ أنا تعبت منه وحاسة إني بظلم إسلام معايا بظروفي دي.” قالت مرام بحزم حنون: “هششش إيه الكلام ده؟ استغفرى ربنا حرام عليكي، المرض ده ابتلاء من عند ربنا بيختبر بيه صبر العبد. بلاش اليأس ده أبوس إيدك أنا مليش غيرك في الدنيا.” رهف بدموع: “غصب عني، حاسة إني سبب تعبك وشقاك كل يوم.” مرام: “يلا روحي البسي وصلي فرضك، وأنا هروح أجهز للشغل.” رهف وهي تلاحظ ملابس أختها: “حاضر يا مرام… بس مال هدومك كده كلها مية؟” مرام بتعجل: “لا مفيش حاجة، ده وأنا بجهز الفطور دلت مية بالغلط. يلا أنا لازم أروح الشغل بدري عشان في اجتماع مهم جداً.” رهف: “انتي لسه لابسة السلسلة دي يا مرام؟ اخلعيها، طول ما انتي لابساها هتفضلي عايشة في الماضي ومش هتنسي.” مرام بابتسامة خافتة وهي تلمس السلسلة: “بتديني قوة يا رهف، وعمري ما هخلعها أبداً.” أخذت مرام شاوراً سريعاً وارتدت ملابسها الأنيقة البسيطة، ووقفت أمام المرآة تراجع ملامحها؛ شعرت أنها تغيرت كثيراً عن الماضي، أصبحت أقوى في مظهرها ولكن قلبها بات يحمل أحزاناً مضاعفة. نظرت للسلسلة التي على صدرها، لمستها بحزن وابتسمت بمرارة: “يا ترى أنت فين دلوقتى يا عمار؟ وإيه أخبارك؟ تفتكري فاكرني ولا نسيني وبدأ حياتك بعيد عني؟ معاه حق لو نسيني، أكيد بيكرهني، ربنا يسعده ويصلح حاله.” جهزت نفسها وخرجت مع شقيقتها، وذهبت كل منهما في طريقها نحو يوم جديد مليء بالمفاجآت. الفصل الثالث: عاصفة في شركة الشروق وصلت مرام إلى مقر الشركة التي تعمل بها، شركة الشروق للمعمار، وصعدت بخطوات سريعة نحو غرفة الاجتماعات بالطابق العلوي فقد تأخرت قليلاً عن موعدها بسبب صعوبة المواصلات. وبينما هي تسرع في خطواتها، صدمت بطريق الخطأ بفتاة تسير في الممر. قالت نيفين، سكرتيرة رئيس مجلس الإدارة، بلهفة: “انتي جيتي يا مرام؟ اتأخرتي ليه كده اليوم ده بالذات؟” مرام: “صباح الخير يا نيفين، المواصلات كانت صعبة جداً، هو الاجتماع بدأ ولا لسه؟” نيفين: “لا لسه، تأجل شوية، بس المدير القديم مستر حسين قال أول ما تيجي تدخلي له على طول.” مرام بقلق: “أنا لحد دلوقتى مش فاهمة في إيه، يلا هروح أطمن عليه وأعرف إيه الحكاية.” ذهبت مرام إلى مكتب رئيس مجلس الإدارة، وطرقت الباب عدة مرات حتى سمعت صوت إذن الدخول. دخلت لتجد مستر حسين سالم، رئيس مجلس الإدارة وصاحب الشركة، يبدو عليه الإرهاق. قال حسين بابتسامة هادئة: “اتفضلي يا مرام، تعالي اقعدي جنبي، محتاج أتكلم معاكي في موضوع مهم.” مرام بقلق: “حاضر يا فندم، خير إن شاء الله؟” بدأ حسين حديثه بصوت يملؤه الأسف: “انتي عارفة يا مرام أنا بعزك إزاي وبتوليكي مكانة بنتي الغالية. انتي اشتغلتِ معايا من ونتي لسه طالبة وكنتي مثالاً للأمانة والإخلاص. للأسف، أنا مريت بظروف مالية قاسية الفترة اللي فاتت، وده خلاني أضطر أبيع نسبة كبيرة من أسهم الشركة، والجزء الباقي اشتراه ابن أخويا معتز، والمدير الجديد هيستلم الإدارة الكاملة اليوم.” نظرت إليه مرام بذهول: “نعم! حضرتك بعت الشركة يا مستر حسين؟ بس إزاي وليه؟ ومفيش حد كان يعرف!” حسين: “الإجراءات كانت سرية وتمت عبر المحامي، وأنا مكنتش عايز حد يعرف بفلستي لحد ما الأمور تستقر. المدير الجديد وصل وهيحضر بنفسه، وأنا أوصيته عليكي لأني عارف إخلاصك.” قالت مرام والدموع تلمع في عينيها: “ربنا يسهل يا فندم، أنا هروح مكتبي أبدا شغل.” خرجت من المكتب وتركت لدموعها العنان؛ كانت تعتبره بمثابة والدها الحنون، وها هو ذا يترك الشركة والكل يتغير من حولها. في ذات الوقت، كان مطار القاهرة الدولي يشهد خروج شاب في السابع والعشرين من العمر، يرتدي بذلة سوداء أنيقة تليق برجل أعمال ناجح؛ شاب وسيم، طويل القامة، ذو جسد رياضي وعينين عسليتين تبرقان بالثقة والذكاء. إنه عمار أمجد نصار، صاحب أكبر شركات المعمار في مصر والوطن العربي، والذي استطاع برغم صغر سنه أن يحقق نجاحات مذهلة. صعد عمار إلى سيارته الفارهة التي كانت تنتظره في الخارج، واتجه مباشرة نحو شركته الجديدة. وأثناء الطريق، رن هاتفه المحمول بإشعار اتصال من صديقه المقرب كريم. قال عمار بابتسامة: “لحقت أوشك يا كريم؟ ده أنا لسه سايبك من شوية!” أتاه صوت كريم عبر الهاتف بنبرة جادة: “انت عارف أنا بتصل ليه يا عمار، بلاش نلف وندور على بعض.” عمار: “طيب ولما انت عارف، بتتصل تقول إيه بقى؟” كريم: “راجع نفسك يا صاحبي، اللي في دماغك ده مش هيجيب نتيجة، والانتقام هيتعبك أنت الأول.” عمار بصرامة: “متخافش عليا، أنا قادر على كل حاجة ومش هظلم حد، أنا راجع أخد حقي القديم وبس.” كريم: “الحب والكره وجهان لعملة واحدة، خبالك.” عمار: “متقلقش، أنا قفلت باب قلبي خلاص، والحب ده مش موجود في قاموسي، أنا راجع أخلص ثأر قديم وأمشى. المهم، متنسيش تكلمني أول ما تتم الأمور، والكل في الشركة فاكر إنك أنت المالك الحقيقي مش أنا صح؟” كريم: “أنت حر يا عمار، بس ربنا يستر من اللي جاي.” أنهى عمار الاتصال وظل ينظر من زجاج السيارة إلى شوارع القاهرة التي تغيرت كثيراً خلال السنوات الخمس الماضية. وصل إلى مقر الشركة، ودخل بكل هيبة ووقار وسط نظرات الموظفين ودهشتهم. توجه مباشرة إلى مكتب الإدارة العليا. الفصل الرابع: لقاء الأطياف القديمة جلس عمار خلف مكتب رئيس مجلس الإدارة بكل ثقة، ثم طلب عبر الهاتف الداخلي حضور سكرتيرة المكتب. دخلت نيفين بتردد وقالت: “تحت أمر حضرتك يا فندم.” عمار ببرود: “انتي عارفة أنا مين؟” نيفين بتوتر بالغ: “أيوة، مستر كريم منصور المالك الجديد للشركة مش كده؟” عمار بابتسامة خفيفة: “أممممم، ومين قالك الخبر ده؟” نيفين: “مستر حسين قال للأستاذة مرام، وأنا عرفت منها.” عمار باهتمام ظاهر: “مين مرام دي؟” نيفين: “مرام هي المسؤولة عن الحسابات وأهم موظفة هنا، ومستر حسين بيعتبرها زي بنته.” عمار بجدية: “تمام. عايز ملفات الحسابات الخاصة باخر ستة شهور، روحي للأستاذة مرام وخليها تجبهم لي هنا حالاً، فاهمة؟” نيفين: “حاضر يا فندم.” خرجت نيفين من المكتب متجهة نحو مكتب مرام التي كان التعب والإرهاق واضحين على وجهها. قالت نيفين بلهفة: “مرام، المدير الجديد عايزك جوه حالاً، ومعاكي آخر ملفات للحسابات.” مرام بهدوء: “أنا مجهزة كل الملفات ومنظماا من بدري. يلا هروح أخلص المقابلة دي وأرتاح.” ذهبت مرام بخطوات ثابتة نحو مكتب المدير الجديد. طرقت الباب ودخلت بعدما سمعت الإذن بالدخول. ما إن دخلت حتى شعرت برائحة عطر مألوفة جداً تذكرها بأيام مضت، ولكنه نفضت الفكرة من رأسها. كان المدير يغطي وجهه وهو يقف أمام النافذة الكبيرة واضعاً يديه في جيبيه. قالت مرام بصوت هادئ: “صباح الخير يا فندم، أنسة نيفين قالت إن حضرتك طلبتني.” بمجرد أن استمع إلى صوتها، خفق قلبه بقوة شديدة؛ هذا الصوت لم يفارق أذنه طوال سنوات الغياب! استدار عمار ببطء ليقابلها، وهناك التقت الأعين في صدمة كبرى أخرست الألسنة. صمت طويل دام بينهما، وكل منهما يحمل في جوفه آلاف الأسئلة دون جواب، وشوق دفين تحول إلى جمر. قالت مرام بصوت منخفض مهتز: “أنت… عمار؟!” اقترب منها عمار بخطوات بطيئة وعلى وجهه ابتسامة ساخرة: “مرام سالم الأسيوطي، 25 سنة، خريجة تجارة، وبارعة في إخفاء الحقيقة! طبعا مكنتيش متوقعة إني هارجع تاني للبلد دي، وكنتي فاكرة إني خلاص انتهيت وانتي هتعيشي حياتك بسلام وخلصتي مني للأبد!” مرام بدموع محبوسة: “عمار… أرجوك اسمعني.” عمار بحدة: “بشمهندس عمار لو سمحتي، ما تنسيش مقامك في الشركة.” مرام بصدمة: “أنت بتعمل إيه هنا أساساً؟” عمار: “المفروض أنا اللي أسألك السؤال ده، لأن دي شركتي بالكامل وأنا المدير الحقيقي هنا.” مرام: “المدير الحقيقي! إزاي ومستر كريم هو اللي اشترت؟” عمار: “أنتِ معلوماتك ناقصة، أنا الشريك الأكبر وراء كل ده.” مرام بانفعال خفيف: “إيه اللي رجعك تاني يا عمار؟ وعايز إيه مني بالتحديد؟” اقترب منها عمار أكثر حتى أصبح يقف أمامها مباشرة، وبنظرات حادة قال: “بجد عايزا تعرفي أنا هنا ليه؟ أنا هنا علشان أضعك أمام المسؤولية، علشان أرجع حقي اللي ضاع، وعشان تعرفي معنى الوجع اللي عشته لوحدي طوال السنين اللي فاتت!” حاولت مرام كتم دموعها وقالت بضعف: “أنا معملتش حاجة تستاهل كل القسوة دي يا عمار، اسمعني بس…” عمار ببرود قاطع: “مش عايز أسمع تفسيرات ولا كلمات مكررة. شغلك هنا هيكون تحت شروطي الصارمة، واعتبري نفسك تحت الاختبار الدائم.” تركته مرام وخرجت من المكتب بدموع تسيل على وجنتيها، لم تعد تحتمل صدمة رؤيته بعد كل هذه السنوات وبهذه القسوة. وبينما هي تغادر الشركة، ركضت في ممر الاستقبال لتصدم بشاب يمد يده ليمنع سقوطها. قال معتز بقلق: “محتاج تاخدي بالك يا مرام، فيكي إيه؟ مالك منهارة كده؟” مرام ببكاء مرير: “تعبت يا أستاذ معتز، أقسم بالله ما عاد فيا طاقة لأي صدمات جديدة في حياتي.” معتز بحنان: “اهدي، تعالي نقعد في مكان هادئ وتفهطيني إيه اللي حصل.” مرام: “لأ أرجوك، خليني أمشي أروح بيتي دلوقتي، وتعبانة ومش قادرة أكمل اليوم.” معتز: “حاضر يا مرام، طمنيني عليكي لما توصلي البيت من فضلك.” غادرت مرام الشركة وهي تائهة بين ذكريات الماضي وقسوة الحاضر، متوجهة نحو منزلها لتلقي بنفسها على الفراش هرباً من عالم لا يرحم الضعفاء. الفصل الخامس: ظلال الماضي وحقائق القلوب في ذات الوقت، كان إسلام قد انتهى من ترتيب أموره ونزل إلى القاهرة في إجازة قصيرة، فقرر الذهاب لزيارة رهف ليطمئن عليها ويفاجئها بخطوة جديدة تزيد من استقرار مستقبلهم. التقاها قرب الجامعة ودفع لها مبلغاً مالياً كبيراً جمعته إحدى الجمعيات التعاونية التي يشترك فيها، لتتمكن من دفع باقي تكاليف العملية الجراحية لقلبها. قالت رهف بدموع الفرح: “يا إسلام اللي بتعمله علشاني ده كتير قوي، أنا مش عارفة أشكرك إزاي!” إسلام بابتسامة دافئة: “رهف، أنتي عارفة إنك بالنسبة لي الحياة كلها، ومافيش حاجة غالية قصاد إنك تبقي كويسة وتعيشي معايا العمر كله.” وفي المقابل، كان عمار جالساً في فيلته الفخمة يقلب أوراق الماضي، بينما والده أمجد نصار يحاول تهدئته وتوجيه تركيزه نحو المستقبل والعمل بدلاً من اجترار آلام الماضي والانتقام. تمر الأيام ثقيلة على مرام بين قسوة زوجة عمها سميرة التي لا تترك فرصة إلا وتطالبها بالمزيد من الأعمال المنزلية الشاقة، وبين ضغط العمل المستمر في الشركة تحت إشراف عمار الذي كان يتعامل معها ببرود وقسوة مهنية متعمدة. وفي صباح يوم جديد، تكرر ذات المشهد الصباحي؛ استيقظت مرام على صوت زوجة عمها وهي توقظها مبكراً لتنجز أعمال المنزل الإضافية قبل الذهاب للعمل. تحملت مرام بصبر جليل وأنهت ما طلب منها، ثم جهزت أختها رهف وأرسلتها إلى جامعتها وهي تحاول رسم ابتسامة مزيفة على وجهها لئلا تشعر أختها بأي هموم إضافية. وصلت مرام إلى الشركة في موعدها، ودخلت مكتبها لتبدأ في مراجعة الحسابات والأرقام بدقة بالغة. وفي تلك اللحظة، فتح باب مكتبها ليدخل عمار بصحبة بعض الملفات. نظر إليها بجدية وقال: “أستاذة مرام، الملفات دي لازم تراجع بدقة قبل اجتماع مجلس الإدارة بكرة الصبح، ومافيش مجال لأي أخطاء.” نظرت إليه مرام بثبات وقالت بصوت هادئ: “متخافش يا بشمهندس عمار، الشغل هيكون جاهز في ميعاده وبدون أي أخطاء، تماماً زي ما اتعودت دايماً.” نظر عمار في عينيها لبرهة كأنه يبحث عن شيء ضاع منه منذ سنوات، ثم تراجع بخطوات سريعة وغادر المكتب دون أن يضيف كلمة واحدة، تاركاً خلفه قلباً ينبض بالشوق والوجع في آن واحد، وقلباً آخر يحاول جاهداً إخفاء نيران الحب تحت رماد الكبرياء والانتقام. الفصل السادس: نحو صفحة جديدة في الأيام التالية، ومع استمرار التحديات وضغوط العمل، بدأت جدار القسوة التي بناها عمار حول قلبه تتداعي تدريجياً أمام إخلاص مرام وتفانيها البالغ في عملها رغم كل الظروف القاسية التي تعيشها في منزل عمها، ورغم مرض أختها. بدأ يدرك شيئاً فشيئاً أن ما أُشيع في الماضي لم يكن سوى سوء فهم كبير دبره أناس أرادوا تفريق طريقهم. وفي مساء أحد الأيام الباردة، وبعد أن انتهت مرام من عملها الشاق وهمّت بمغادرة الشركة، وجدته يقف أمام سيارتها في الموقف الخارجي بانتظارها. اقترب منها عمار وقال بصوت يحمل نبرة اعتراف صادقة: “مرام… ممكن تديني دقيقة واحدة أقولك فيها الحقيقة اللي ضيعتنا سنين؟” توقف مرام في مكانها ونظرت إليه بدموع تلمع في عينيها وقالت: “اتفضل يا عمار… سامعاك.” بدأ عمار يروي لها تفاصيل ما حدث قبل خمس سنوات وكيف تلاعب أطراف خارجية بالحقائق لتبعدهما عن بعضهما، وكيف عاد ليجد الحقيقة الناصعة أمام عينيه الآن. استمعت له مرام بقلب ينبض بالحنين والراحة، وكأن جبلاً ثقيلاً انزاح عن صدرها أخيراً. قالت مرام بصوت رقيق: “كنت متأكدة يا عمار إن اللي بيننا أكبر بكتير من أي ظن سيء أو فراغ سنين.” ابتسم عمار بابتسامة حقيقية ظهرت لأول مرة منذ عودته، وقال: “ولا فراغ ولا سنين هتقدر تمحي اللي في قلبي… مستعد نبدأ من جديد؟” أومأت مرام برأسها إيجاباً وابتسمت وسط دموع الفرح، لتشرق شمس الأمل من جديد في حياة كادت أن تستسلم لليأس، مؤكدة أن الصبر والإخلاص هما مفتاح الفرج واللقاء بعد طول غياب. “هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”