طول 8 سنين

طول 8 سنين، جوزي كان كل يوم يفكرني إني لازم أعتبر نفسي محظوظة، عشان هو اللي بيدفع كل حاجة عني.
وفي ليلة، قدام عيلته كلها، حط ورق الطلاق قدامي وقال باحتقار
نشوف بقى هتقدري تعيشي قد إيه من غير فلوسي.
أمه انفجرت في الضحك، لكني مضيت على الورق قبل حتى ما تكمّل ضحكتها.
ماجادلتش.
مادافعتش عن نفسي.
ومشيت بهدوء.
لكن تاني يوم الصبح، مدير حسابات جوزي اتصل بيه.
وبعد ما سمع منه كام كلمة، فضل ساكت حوالي عشر ثواني.
وبعدين رفع عينيه وبصلي وهو مش فاهم، وقال
إنتِ مين بجد؟!
طول 8 سنين، جوزي كان بيحرص إنه يفكرني كل يوم إن وجودي وسط دايرته الاجتماعية الراقية مجرد فضل منه عليّا.
بالنسبة له، أنا مجرد موظفة إدارية بسيطة، هو أنقذني من حياة عادية، واداني فرصة أعيش في مستواه.
كنت دايمًا حاسة إنه شايف نفسه صاحب الفضل الوحيد في كل حاجة وصلت لها.
لكن أقسى لحظة حصلت امبارح بالليل، في حفلة عيد ميلاد أمه.
كنا قاعدين في مطعم فاخر جدًا في القاهرة، وسط عيلته وأصحابه، والجو كله فخامة وضحك ومظاهر.
وفجأة، وسط نور النجف، حط كريم ورق اتفاق الطلاق قدامي فوق السفرة وقال بصوت عالي، عشان كل اللي قاعدين يسمعوا
أشوف بقى يا سارة هتقدري تكملي حياتك في القاهرة من غير ولا جنيه من حسابي!
كان بيتكلم بثقة واستعلاء، وكأنه متأكد إن الكلام ده هيكسرني قدام الناس.
أمه، الحاجة نادية، انفجرت فورًا في ضحكة عالية مليانة شماتة، وبصتلي بنظرة احتقار واضحة.
لكن الغريب إني ماحسيتش حتى إن إيدي بتترعش.
طلعت قلم من شنطتي.
ومضيت على الورق بهدوء شديد.
وبعدين قمت من مكاني، وخرجت من القاعة من غير ما أبص ورايا.
كريم فضل قاعد مكانه، مقتنع إنه لسه من شوية قطع آخر حبل كان بيربطني بيه.
كان فاكر إنه أنهى مصدر أماني الوحيد.
المسكين ماكانش يعرف إنه في اللحظة دي بالذات، كان هو اللي بدأ يهز الأساس الوحيد اللي كان شايل إمبراطوريته كلها.
تاني يوم الصبح، كريم دخل مطبخ البنتهاوس بتاعنا وهو لابس روب غالي، وعلى وشه نفس نظرة التعالي المعتادة.
صب لنفسه العصير وقال بسخرية
أنا أمرت الخدم يلمّوا الأربع حاجات بتوعك. عايزك تكوني بره البيت يوم الجمعة.
كنت لسه هرد عليه، لكن تليفونه اهتز بعنف فوق الرخامة.
بص للشاشة.
المتصل كان سامح، مدير حساباته البنكي ومستشاره المالي المقرب.
رد كريم بثقته المعتادة
أيوه يا سامح؟
لكن الصوت اللي جه من الناحية التانية كان بارد بشكل مخيف.
كريم، كل حساباتك التشغيلية وخطوط الائتمان بتاعتك اتجمّدت فورًا.
كريم سكت.
سامح كمل بنفس النبرة
كمان كل صلاحياتك في إدارة الأصول اتلغت من اللحظة دي. والصندوق الاستثماري الرئيسي نفّذ تحصيل إجباري للدين اللي قيمته خمستاشر مليون يورو، واستحوذ على الحصة المسيطرة في شركتك.
وش كريم اتغيّر في لحظة.
لونه بقى أبيض، كأنه فقد الدم كله.
إيده بدأت تترعش بشكل واضح، والكوباية الزجاج اللي كان ماسكها وقعت من إيده واتكسرت على أرضية الرخام.
صرخ
إنت بتتكلم عن إيه؟! وبأي حق قانوني تعملوا كده؟!
وبعدين صوته اتكسر وهو بيقول
مين ورا الصندوق ده؟! اديني اسم حالًا يا سامح!
جاءه الرد ببرود تام
سارة عبد الرحمن.
كريم اتجمد مكانه.
سامح كمل
مراتك.
وبعدين قفل الخط.
ساد صمت تقيل جدًا في المطبخ.
عدّت عشر ثواني كاملة، وكريم واقف مش قادر يستوعب اللي سمعه.
الموبايل وقع من إيده على الأرض.
رجع خطوتين لورا وهو بيبصلي بخوف لأول مرة في حياته.
كانت عينيه بتقول إنه مش فاهم أي حاجة.
وبصوت ضعيف ومكسور، سأل
إنتِ… إنتِ مين أصلًا؟!
وأنا لأول مرة من 8 سنين، ابتسمت.
لأن كريم أخيرًا بدأ يكتشف الحقيقة اللي أنا كنت مخبياها عنه طول السنين دي.
الحقيقة اللي لو عرفها من البداية، عمره ما كان تجرأ يحط ورقة طلاق قدامي ويقول
نشوف هتقدري تعيشي من غير فلوسي قد إيه.
حكايات_ميراا
سيبوا لايك ومتنسوش الصلاة على النبي ﷺ
باقي القصة هتنزل هنا فضل كريم واقف قدامي، كأنه لأول مرة يشوفني فعلًا.
بص للموبايل اللي وقع على الأرض، وبعدين رفع عينيه عليّا.
سارة إنتِ بتلعبي معايا؟
ضحكت بهدوء.
لأ.
سامح قال إن الصندوق باسمك!
قال الحقيقة.
قرب مني خطوة، لكني رفعت إيدي أوقفه.
خليك مكانك يا كريم.
وقف.
ولأول مرة، هو اللي نفّذ كلامي من غير نقاش.
قال بصوت متوتر
أنا مش فاهم إنتِ كنتِ بتشتغلي سكرتيرة في شركة صغيرة! إنتِ حتى كنتِ بتقوليلي إن مرتبك بالكاد بيكفي مصاريفك!
هزيت راسي.
كنت بقولك اللي كنت محتاجة أقولهولك.
طب الفلوس دي جت منين؟
سكت شوية، وبعدين قلت
من نفس المكان اللي كنت بتعتبره أقل من مستواك.
ملامحه اتشدت.
يعني إيه؟
أبويا.
اتجمد.
أبويا كان رجل أعمال معروف، لكنه مات وأنا في سن صغيرة، وساب لي ولأخويا صندوق ائتماني ماكانش مسموح لي ألمس منه إلا بعد سن معينة.
لكن كان فيه شرط.
ماكانش مسموح للصندوق يدخل في أي نشاط تجاري باسمي بشكل مباشر إلا بعد ما أتعلم إدارة أموالي بنفسي وأثبت استقلالي المالي.
علشان كده، اشتغلت.
درست.
اتعلمت الاستثمار وإدارة الشركات.
وبعد سنين، بدأت أشتري حصص صغيرة في شركات واعدة من غير ما أعلن هويتي.
وكريم؟
كان واحد من أهم استثماراتي.
بصلي وكأنه تلقى صفعة.
شركتي؟
جزء كبير منها كان مملوك للصندوق.
مستحيل!
بالعكس.
طلعت ملف من درج المطبخ وحطيته قدامه.
فتحه بإيد مرتعشة.
أول ورقة كانت عقد استحواذ قديم.
والتوقيع في آخر الصفحة كان توقيعي.
شهق
إنتِ كنتِ المستثمر المجهول؟!
أيوه.
قلب الصفحات بسرعة.
كل ما يقرأ سطر، وشه كان بيزداد شحوبًا.
وبعدين وصل لصفحة معينة.
وقف.
استني الدين اللي قيمته خمستاشر مليون يورو
بصلي.
إنتِ اللي اشتريتي الدين؟
لأ.
ابتسمت.
أنا خليت الصندوق يشتريه.
رجع يقعد على الكرسي كأن رجليه ماعادوش شايلينه.
طب ليه؟
السؤال خرج منه بصعوبة.
قربت منه، لكني ماقعدتش.
وقلت
لأنك كنت بتستعمل فلوسي عشان تحسسني إني فقيرة.
رفع عينيه.
سارة
كنت بتقول قدام أصحابك إنك أنت اللي طلعتني من حياة متواضعة.
سكت.
كنت بتعايرني بالبيت.
سكت أكتر.
بالعربية.
بالمصاريف.
وحتى بالهدوم اللي كنت بتجيبها لي.
بدأ يفتح بقه عشان يرد، لكني منعته.
والأسوأ إنك صدقت الكذبة لدرجة إنك نسيت تسأل نفسك سؤال بسيط.
قربت منه وقلت
مين اللي كان بيموّل نص الاستثمارات اللي كنت بتعملها؟
ما ردش.
لأنه عرف الإجابة.
أنا.
وفجأة، تليفونه رن تاني.
المرة دي كان رقم محامي الشركة.
رد كريم بسرعة
ألو؟
جاءه صوت الرجل متوترًا
أستاذ كريم، لازم تيجي الشركة فورًا.
ليه؟
مجلس الإدارة انعقد بشكل استثنائي.
وبعدين؟
صمت المحامي لحظة.
ثم قال
الحصة المسيطرة انتقلت رسميًا للصندوق.
كريم بلع ريقه.
يعني إيه الحصة المسيطرة؟
يعني إنك لم تعد صاحب القرار.
سكت كريم.
المحامي أكمل
والاجتماع بدأ من عشر دقائق.
مين موجود؟
أعضاء مجلس الإدارة الجدد.
ومين رئيس الاجتماع؟
صمت المحامي مرة تانية.
وبعدين قال
الأستاذة سارة عبد الرحمن.
كريم رفع عينيه عليّا.
وأنا كنت واقفة قدامه، هادية تمامًا.
قال بصوت مبحوح
إنتِ رايحة الشركة؟
طبعًا.
هتعملي إيه؟
ابتسمت.
أول حاجة؟
سكت.
هفتح الملفات اللي كنت بتخبيها عني.
اتغيرت ملامحه فورًا.
لأن لأول مرة، الخوف الحقيقي ظهر في عينيه.
مش خوف على الفلوس.
خوف من اللي ممكن ألاقيه.
لأن كريم كان مخبي عني أسرار أكتر بكتير من موضوع الشركة.
وأنا كنت عارفة.
لكن كنت مستنية اللحظة المناسبة.
واللحظة دي وصلت.
أخدت شنطتي ومفاتيحي، وخرجت من البنتهاوس.
وقبل ما أقفل الباب، بصيت له وقلت
على فكرة يا كريم
رفع عينيه.
أنت كنت عايزني أخرج من البيت يوم الجمعة.
سكت.
أنا مش هخرج.
ابتسمت.
أنت اللي هتخرج.
وقف مكانه مصدوم.
أما أنا، فنزلت الأسانسير وأنا لأول مرة حاسة إن التمان سنين اللي فاتوا ماكانوش خسارة.
كانوا مجرد وقت كفاية جدًا
عشان أعرف بالضبط مين يستحق يقع، ومين لازم يفضل واقف وصلت الشركة قبل كريم بحوالي عشرين دقيقة.
أول ما دخلت، لقيت موظفين كتير واقفين في الاستقبال، والهمس مالي المكان.
واحدة من الموظفات قربت مني وهي مترددة
مدام سارة؟
بصيت لها.
أيوه.
الاجتماع مستني حضرتك فوق.
هزيت راسي، ودخلت الأسانسير.
أول ما باب الأسانسير اتفتح في الدور الأخير، لقيت باب قاعة الاجتماعات مفتوح.
دخلت.
كل أعضاء مجلس الإدارة كانوا قاعدين.
وفي منتصف الترابيزة كان فيه ملف كبير عليه اسمي.
رئيس المجلس وقف وقال
مدام سارة، كل المستندات اتراجعت قانونيًا، ونقل الملكية أصبح نافذًا.
قعدت بهدوء.
كويس.
واحد من أعضاء المجلس قال
في نقطة تانية لازم حضرتك تعرفيها.
فتحت الملف قدامي.
اتفضل.
حط قدامي مجموعة أوراق.
فيه تحويلات مالية خرجت من حسابات الشركة خلال السنتين اللي فاتوا، وقيمتها كبيرة جدًا.
بصيت للأرقام.
وبعدين رفعت عيني.
مين اللي وافق عليها؟
الرجل تردد.
التوقيعات كلها باسم كريم.
سكتُّ.
ثم سألت
والفلوس راحت فين؟
حط ورقة تانية قدامي.
أول ما قرأتها، عرفت إن الموضوع أكبر مما توقعت.
التحويلات ما راحتش لمصاريف شخصية.
ولا استثمارات.
ولا حتى حسابات سرية باسم كريم.
الفلوس راحت لشركة تانية.
شركة اسمها
نوران للاستثمارات.
اتنهدت ببطء.
الاسم ده أنا أعرفه.
لأن نوران كانت
أخت كريم.
رفعت عيني للرجل.
عايزة كل المستندات الخاصة بالشركة دي.
موجودة.
وعقود التحويل؟
موجودة.
وكريم كان عنده تفويض يسمح له يحول المبالغ دي؟
لا.
هنا ساد الصمت.
قلت بهدوء
يبقى من اللحظة دي، كل التعاملات مع الشركة دي تتوقف.
واحد من أعضاء المجلس سأل
وهل نبلغ الجهات القانونية؟
بصيت للأوراق قدامي.
كان قدامي اختيار سهل جدًا.
أقدر أبدأ قضية.
أقدر أخليه يخسر كل حاجة.
وأقدر أخليه يقضي سنين وهو بيحاول يثبت إنه ما سرقش أموال الشركة.
لكن قبل ما أرد، باب القاعة اتفتح بعنف.
كريم دخل.
كان وجهه متوتر، وقميصه مفتوح من عند رقبته، وشكله مختلف تمامًا عن الرجل اللي وقف الصبح في المطبخ وبيقول لي إني لازم أخرج من بيته.
بص للكل.
ثم ثبت عينيه عليّا.
سارة، لازم نتكلم لوحدنا.
قلت
مفيش حاجة بيني وبينك

1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *