طوق الحريه ٢

أمين الشرطة هز راسه وهو فاهم الوجع اللي في كلامي.

على المغرب كده، شفت ابني لأول مرة.

الممرضة جابت “ياسين” من الرعاية في الحضانة المتنقلة الصغيرة بتاعته. كان حتة لحمة حمرا وصغير قوي، لدرجة تحسي إن لو حد بص له ممكن يتكسر. بس كان بيتنفس.. كان عايش. والنفس الصغير اللي طالع وداخل منه كان أقوى من كل زعيق وجبروت تامر.

الممرضة ابتسمت:

— عايزة تلمسيه يا أم ياسين؟ بصباعك الصغير بس.

مديت صباعي، وإيده الصغيرة الشفافة قفلت على ضافري لثانية.

مش فاكرة إزاي عيطت ساعتها.. الدموع نزلت لوحدها من غير صوت ولا شهق، زي مية كانت محبوسة ورا سد بقالها سنين وفجأة السد انهار والمية جريت.

— ياسين.. — همست — أنا هنا يا حبيبي.

وفي اللحظة دي، عرفت إن حياتنا الجاية هتبقى شكل تاني خالص.

مش عشان هتبقى وردي وسهلة ولطيف، لأ.

عشان عمري ما هسمح لمخلوق بعد النهاردة يقول على بناتي “خيبة أو فشل”.

ولا هسمح لواحد يوقفني تحت لمبة نيون ويقولي “امضي إنك وقعتي من على السلم”.

ولا هسمح لحد يسرق اسمي ولا وجودي تاني.

بعد أسبوع خرجت من المستشفى. مخرجتش ببوكيه ورد وصورة “العيلة السعيدة والزوج المثالي” اللي تامر كان بيموت فيها ويتمنظر بيها في الفيسبوك.بقلم منــال عــلي

خرجت ومعايا دوسيه ورق.

فيه تقارير طبية.

فيه محاضر شرطة.

فيه قرار المحكمة بعدم التعرض.

وفيه قرار مؤقت بتمكيني من الولاية التعليمية وحضانة العيال.

ومعايا على الموبايل رقم خط نجدة المرأة.

عزلنا في نفس اليوم. مرجعناش الشقة اللي كانت باسمه، ولا البيت اللي كل حيطة وزاوية فيه شاهدة على كدماتي ودموعي. رحنا شقة صغيرة إيجار، الدكتورة إيمان ساعدتني ألاقيها عن طريق ست معرفة شغالة في الشؤون الاجتماعية. المطبخ كان قديم، والأرض مش قد كده، والستائر خفيفة.. بس كان فيها أهم حاجة في الدنيا: الهدوء اللي من غير خوف.

ليلى أول ليلة منمتش. فضلت قاعدة جمب الباب وماسكة الموبايل كأنها غفير حراسة. صحيت وشفت خيالها:

— ليلى يا حبيبتي.. قومي نامي.

— طب لو جه يا ماما؟

قعدت على السرير بالراحة لأن ضلوعي كانت لسه بتوجعني:

— مش هيقدر يجي، ولو جه هنطلب النجدة فوراً. ولو فكر بس يلمس الباب، كاميرا المراقبة اللي ركبتها بره على السلم هتجيبه. والست أم أحمد جارتنا القديمة قالت إنها هتيجي تشهد معانا في المحكمة. إحنا مش لوحدنا يا ليلى.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *