شيماء سعيد

وقف أحمد من مقعده خلف المكتب ما ان دلفت ريم وسرعان ما انعقد حاجبيه وهو يتابع عمر يتبعها من الخلف بهدوء، توجه نحوها ولم يعطها فرصة للحديث متهمًا في حده :
-ممكن اعرف انتي ازاي سمحتي انه يرجعلك تاني؟
رفعت كفها توقف حديثه قبل ان تحادث عمر في حنو زائد:
-روح اقعد هناك يا عمر والعب بالتابلت لحد ما اتكلم مع عمو أحمد.
زم الصغير شفتيه باعتراض صامت ولكنه تزحزح ببطء حين ربتت ريم على كتفه تبعده نحو الركن البعيد وعيناه الشبيهة بعينا والده السوداء تبوح بشراسة رفضة بالابتعاد عن سارق والدته.
نظرت ريم إلي احمد المشتعل بغ.ضبه ما ان ابتعد عمر ورأته يعبث بجهازه الالكتروني لمشاهدة برامجه الكرتونية كالعادة ثم قالت في خفوت:
-اكيد طبعا مش هسمحله يرجعلي من تاني بس في حاجات اكتشفتها قلبت الموازين.
ابتسم في تهكم وعيناه تلتهمها باتهام من اسفلها إلي اعلاها ليردف في نبرة ساخرة:
-قصدك قلبت الموازين في قلبك، رجعتي تحني لريان من تاني بعد كل اللي عمله فيكي،
ازاي رجعتي لضعفك واستسلمتي بالسهولة دي؟
شعرت ريم بغصة تتملكها فوضعت يدها على صدرها في دفاعيه وهمست في حزن:
-أحمد لو سمحت متقلبش عليا المواجع، وأتأكد كويس اوي اني مش ضعيفة واني عمري ما هنسى اللي عمله فيا.
زفر أحمد يلعن انفلات مشاعره وغ.ضبه عليها دون سبب فهو يفكر ويخطط ثم يذهب كالأبلة في الاتجاه المعاكس لإفساد فرصته معها، تنهد قبل ان يخبرها في لهجة يتخللها الهدوء:
-انا متأسف يا ريم مقصدتش اجر,حك،
انا بس خايف تنسي وتوقعي نفسك مع الراجل ده تاني صدقيني هو ميستاهلكيش، قوليلي حاجة وحده عملها يثبتلك بيها انه بيحبك؟
صمتت ريم في حزن واخفضت وجهها لأسفل لا تجد ما تجيبه به، قاطعتهم صوت عمر:
-ماما انا عايز اشرب.
تصلبت ريم وكلمة “ماما” تخترق مسامعها من عمر الذي وقف يناظرها بكل براءة وتوتر وكأنه اخطأ ويتوقع منها التوبيخ الذي اتاه بالفعل.
-دي مش امك متقولش ماما.
صرخ أحمد في حدة فارتعش الصغير وكاد يبكي في مكانه فهتفت ريم في رفض وقد ناشدت دموعه مشاعر امومتها:
-أحمد انت اتجننت، تعالى يا عمر يا حبيبي.
-ريم اللي بتعملي غلط انتي لازم توقفي الواد وابوه عند حدهم.
نظرت له ريم وكأنه فقد صوابه بينما تميل لحمل عمر بين ذراعيها رغم ثقل وزنه وزمجرت في نبرة معترضة:
-ولد أيه اللي اوقفه عند حده ده طفل وزي ابني، انت جرالك ايه ولا هما كل الرجالة اللي في حياتي اتجننوا فعلًا.
-زي ابنك لكن مش ابنك، متنسيش ان ابوه حكم عليكي ما تخلفيش غير لما ابنه يكبر يعني كان بيستغلك يا هانم عايزك دادة لابنه.
شعرت ريم بالتيه وقد اصطدمت كلماتها الواقعية الحا,دة بقلبها، التفتت تبحث عن حقيبتها التي القتها على الطاولة الجانبية ما ان دلفت فأخرج عمر لسانه في تشفي نحو أحمد الذي اندفع يحاول امساكها كي لا تذهب قائلًا:
-انا اسف يا ريم بس أرجوكي متخليش عيل صغير يضحك على عقلك ده أكيد تفكير أبوه.
ابعدت يده عن ذراعها ووضعت عمر ارضًا تغطي أذنيه قبل ان توبخ احمد من بين اسنانها:
-واضح ان ريان ايده كانت تقيله شويه وخلى مخك هنج، ده طفل خمس سنين عيب عليك.
ابتعدت خطوتين قبل ان تلتفت اليه وهي تتنفس بهدوء لتمالك أعصابها ثم أخبرته:
– انا كنت جايه أقولك ان ريان رجعني لذمته من غير ما اعرف صحيح احنا اتفقنا على الطلاق قريب،
لكن لحد ما يحصل ماينفعش نفضل مخطوبين احنا لازم نأجل الموضوع ده شويه.
ظهر الارتباك جليًا على وجه أحمد لكنه ابتسم في حزن ليذكرها:
-وشرط أبويا ولا نسيتيني أنا كمان ؟
-انت لسه قدامك ست شهور ان شاء الله هيكون الموضوع اتحل، عشان خاطري يا احمد بلاش تضغط عليا أكتر الدنيا ضغطاني خلقه.
اسبلت عيونها في خجل لا تصدق انها في ذلك الموقف فاستطردت في أسف:
-انا متأسفة بس انا مغلوبة على أمري ومقدرش أعمل حاجة.
اقترب منها يحاول ملامستها وجزء كبير داخله يرتجف بخوف من خسارتها فقال مستعطفًا إياها:
-انا اللي متأسف ورحمة امك ما تزعلي مني، انا أحمد اخوكي مهما حصل ومش مهم اي حاجة في الدنيا.
ابتسمت له في امتنان ليقابلها بابتسامه مجبرة قبل ان يقطع لحظتهما عمر وهو يتذمر شاعرًا بالتهديد من كلمات أحمد:
-عايزة اروح يا ماما يلا بينا أنا تعبان.
ابتسمت ريم لعمر منهيه بذلك لقائها وهي تعبث بخصلاته قبل ان تلقي السلام على أحمد وتجذب الصغير للخارج ولكن لم يفت أحمد همسها الامومي الحاني:
-حاضر يا عيون ماما.
اسودت عينا أحمد في حقد وألم داخلي لأسباب مختلفة بينما هناك عينان أشد سوادًا تتابع في تشفي وانتصار ما يحدث من بعيد.





