شيماء سعيد

بعد المغرب صعد ريان إلى المنزل بعد ان ذهب لشراء بضع المشتريات، تنفس الصعداء ونبض قلبه في اضطراب حين دلف إلى المنزل وسمع ضحكات ريم من الداخل تلتها ضحكات عمر الموسيقية، وتساءل كيف تخلى عنها بسهولة؟
سؤال صعب لا يدري إجابته كيف اعماه غروره وظن انه سيستطيع تخطيها والابتعاد عنها، ركضت ريم للخارج وتوقفت ضحكاتها حينما وجدته امامها، انتقلت عيناها إلى الأكياس بيديه ولكنها سرعان ما التفتت نحو الصغير الذي اصطدم بها يمسكها وسط ضحكاته قائلًا:
-مسكتك مش هتهربي مني ابدًا ابدًا.
وضع ريان الأكياس ببطء فوق الأرض وهو يتابع بمشاعر ثائرة وحدهما عمر وريم قادران على دسها داخله، ابتسمت ريم وهي تبعثر خصلاته وعادت تناظر ريان لكنها شهقت في انزعاج وأعين متسعة حين لاحظت الماء المنساب على سجادها فهتفت:
-شيل الكيس ده بسرعة، حرام عليك انت مش بتتغير.
-اسف نسيت.
همس ريان بحرج لكنه يتقبل ملامحها المنزعجة عن الأخرى التي تصرخ ببغضها له، اتجهت للمطبخ تحضر منشفه صغيرة وخبطتها بعن, ف في صدر ريان وعن,فته بحده:
-نضفها أنت، انا مش شغالة عندك!
رمش ريان وهو يزم شفتيه يحاول تمالك أعصابه قبل ان يتقبل المنشفة من يدها بهدوء متعمدًا ملامسة اصابعها الرقيقة فابتعدت عنه بملامح معقودة بانزعاج، ليقول بابتسامه جافة تظهر أسنانه:
-من عينيه، تؤمريني بحاجة تانية؟
ارتعش قلب ريم وعضت شفتيها بحقد على الذات لأنه يستطيع هز حصونها بابتسامه ساخرة، عقدت حاجبيها ولم تجيب ثم التفتت نحو عمر قائلة:
-يلا عشان تاخد شاور.
جثى ريان بنصف جسده يجفف الأرض وعيناه تلمع بترقب بينما يتابع اختفاءهما، ما ان انغلق الباب حتى رمى المنشفة واتجه بخطوات صارمة لغرفة عمر يبحث عن جهازه الالكتروني، جذبه حين وجده ملقى على الفراش واتجه لغرفة النوم الخاصة به وبريم يغلقها خلفه بعنايه قبل ان يعبث بشاشة الجهاز ويصل إلى مبتغاه لينبعث صوت خافت مسجل وتوالت الاصوات والخربشات حيث ظل يجري بمؤقت التطبيق حتى انتهت به الأصوات لصوت ريم وأحمد.
وضع سماعات الأذن ودأب يسمع بحرص ما دار بينهما، اسودت عيناه بغ.ضب وهو يستمع لتحذيرات أحمد المقيتة ومحاولاته من أجل ابعادها عنه، جز على أسنانه يحاول التركيز فالأصوات بعيدة بالكاد يسمعها لكنه يفعل لأن الغبي يصرخ في ريم، زاد عضبه حين سمع سؤال أحمد:
-قوليلي حاجة وحدها عملها يثبتلك بيها انه بيحبك؟
انعقدت ملامحه وعلت انفاسه منتظر الإجابة ولكنه تلاقى بالصمت من جهة ريم، مر الحوار سريعًا لتدخل أبنه وشعر بغ.ضب وغل حين سمع اتهام أحمد له بانه لم يرغب بطفل منها يومًا.
حاول تمالك أعصابه حتى انتهى الموقف فاغلق الجهاز واتجه بانفعال يشعل إحدى سجائره، أحمد على حق بشأن الإنجاب فالذنب الوحيد الذي يندم عليه هو انه لم يمنحها طفل من صلبه يخرج من احشائها ويربطها به والا لما كان من السهل عليها التخلي عنه من أجل أحد.
نبهته أصواتهما بالخارج بأنهم انتهيا لكنه لم يكن في حالة تسمح له بالخروج وإكمال خططه، جذب دخان السيجارة وابتلعه داخل صدره يتمنى لو يذيب تلك الكتلة المشتعلة بمشاعره المتأججة داخل صدره.
هل فعلًا لم يفعل أمر يثبت لريم إنه يحبها؟
لم يفكر يومًا في الأمر كان اعتيادي فزواجهم كان غريب وسريع ولم يتخيل ان صمته عن كلمات الحب قد يؤلمها أو يؤثر فيها فمن تجربته السابقة مع زوجته رحمها الله لم يختبرا تلك المشاعر ولم تكن زوجته تطالب بها او تعلن عنها حتى، لقد كان زواج عقلانيًا مخطط بلا حب ولا روح فيه.
زواج عكس زواجه من ريم التي كانت كالطفلة المراهقة تتنقل حوله كالفراشة تغرد بعشقها وحبها له وتبتسم حين يحتضنها، بل انه تعمد تقبيلها كلما اخبرته بحبها الأمر الذي كان يتطور لأكثر من قبله بكثير، ألا يعد ذلك اعتراف بالحب من وجهة نظرها؟
ض.رب بيده فوق ساقه يكره عملية تحليل المشاعر تلك خاصة حين تتعلق بامرأة فهم مختلفون ومتمردون وسريعون التقلب في المزاج.
-بص للجانب الإيجابي هي اختارت أبنك على أحمد، ده في حد ذاته حب حتى لو هي فاكره انها مبقتش بتحبك.
قال وهو هز رأسه يحاول اقناع قلبه بتلك الكلمات، فكر في الاتصال ببيجاد لكنه يكره الظهور بالضعف أمام أخيه الذي سيتفنن بدعك اخطاءه في وجهه دون خجل، فهو معترف بأنه أخطأ ويعلم ان كل أفعاله الغاضبة خاطئة فريم تحملت الكثير والكثير لكن هذه هي طبيعته في الأزمات تهتاج مشاعره حين تنفلت منه الأمور ويكره ان يسيقه أحد أو أمر ما.
كما ان ريم لا تعطيه فرصة لتصليح اخطاءه وتصر على الانفلات من بين اصابعه، الأمر الذي يفقده صوابه ويجعله غاضب وتخرج تصرفاته بشكل أسوأ وأسوأ فرك عيناه ثم حرك كتفيه ورقبته يحاول الاسترخاء فعليه الاسراع والتفكير كي لا يفقدها بشكل نهائي.
ساد الصمت فخرج يبحث عنها دون ان يصل لبداية الخيط في علاقتهما ليجدها تمشط شعر عمر وأحس بقلبه ينقبض وينبسط بين أضلعه دون هوادة، اقترب منها وحمد الله انها لم تنتبه لوجوده بعد فيتسنى له سد شوق يتملكه ليقترب منها.
-انا آسف.
خرج صوته منخفض بدون أدنى سيطرة منه على ما يخرج من فمه، فتسمرت ريم في مقعدها وتوقفت عن تمشيط شعر الصغير وساد الصمت بينهم فقط عيون عمر الحائرة تنتقل بين والده وريم.
-اطلع برا يا عمر، شويه وهندهك.
قبض عمر على طرف ملابس ريم وهمس في تردد وبعد تفكير:
-لا.
-لا؟
قال ريان في تعجب فانعقدت ملامح عمر وهو يحتضن جانب جسد ريم ويعلن في استنكار طفولي:
-اه انت هتقولي امشي يا عمر و بعدين تقول حاجات وريم تفضل تعيط بعدها.
-عمر!
احمرت وجنتي ريم وهي تقول مؤكده:
-مكنتش بعيط قولت عيني كانت ملتهبه انا مش بعيط غير على الناس اللي تهمني.
انتقلت انظار عمر بغ.ضب نحو والده وكأنه يعاتبه على فشله فزفر ريان وقال في حده:
-هنتكلم بعدين يا عمر، اطلع دلوقتي وخليك مؤدب.
قلده الصغير وهو يزفر واتجه نحوه يشير له للهبوط لمستواه ففعل ليهمس الصغير في اذنه:
-لو هتخليها تعيط مش هكلمك وابوسك ابدًا ابدًا.
رفع ريان عيونه للصغير قبل ان يبتسم ويقبل رأسه مؤكًدا.
-ما تقلقش.
خرج عمر فأستكمل ريان قبل ان يتحول من رزانته لغ.ضبه الذي لا أصبح عاجز عن السيطرة عليه:
-احنا محتاجين نتكلم زي الناس.
ابتسمت ريم في س.خريه وهي تنهض وتخبره:
-ونتكلم زي الناس ليه انت عيان؟
عض على لسانه كي لا يقول ما يغ.ضبها أكثر وتجاهل كلماتها بقوله:
-انا مقصدتش اني اتعصب عليكي، انا عارف اني غلطان وغلطي كبير بس….
قاطعته ريم وهي تتجه لتتخطاه في حده:
-انا اللي اسفة حقيقي مش عايزة اسمع منك كلمة واحدة.
امسك ذراعها يمنعها من الخروج وقال من بين اسنانه:
-حقك، بس على العموم مكنتش بعتذر على اللي عملته سابق، انا بعتذر على الكلام اللي قولته الصبح وبتمنى انك تنسيه.
ابعدت ذراعها بحده واستطردت وهي تبعد خصلاتها للخلف:
-وانساه ليه؟
بالعكس الكلام مناسب اوي مع حالتنا.
ابتعدت نحو الباب لكنها توقفت والتفت نحوه تدرس حالته ووقفته المشنجة تعلم جيدًا انها تتراقص على حبال غ.ضبه، ولكنها تتصيد الانتقام لك.سر غروره للآلاف من القطع، رفعت انفها بشموخ وهي تلتقط نظراته وقالت في جفاء:
-على العموم قبل الأجازة ما تخلص… العروسة هتبقى عندك.
وبذلك تركته وخرجت، صك ريان على أسنانه وقبض على يديه كي لا يخرج خلفها ويندلع الجحيم وظل يذكر نفسه بأنه المخطئ وان الطريق لازال في بدايته وعليه التحمل أكثر من ذلك بكثر إذا أراد استعادتها.

