المقدمة متسترة بغطاء الليل الحالك تسللت هذه الشابة الهزيلة في الخفاء بخطوات حثيثة بعدما خبأت وجهها بطرف حجاب رأسها غير المحكوم حتى تضمن عدم تعرف أحد أهل بلدتها عليها إن تصادفت مع أحدهم لتخرج بعدها من باب منزلها قاصدة التوجه إلى محطة السكة الحديد حيث من المفترض أن ينتظرها هناك من قطع لها عهودا ووعودا لا تنتهي بالزواج. انتظرت وهي تتحاشى نظرات المحيطين بها الفضولية كانت ترتاع من احتمالية تعرف أحدهم على هويتها ففي ذلك نهايتها حتما خاصة إن علم شقيقها المتعصب بمسألة هروبها من المنزل سرا. سمعت مروة صافرة القطار وهي تعلن عن وصوله إلى المحطة ترددت في ركوبه بمفردها كادت كامل خططها تفسد لولا أن ظهر من تنتظره من بعيد أقبلت عليه تسأله في صوت يعبر عن خۏفها اتأخرت ليه بغدادي التقط أنفاسه وأجابها ڠصب عني كنت معكوش مع واحد رزل حلفان عليا 100 يمين ما أسيبه إلا لما أقضي السهرة معاه. تلفحت بطرف حجابها حينما مر أحدهم بجوارها فقد لاحظت نظرته المدققة إليها فارتجفت وأخفضت بصرها هامسة أنا قلقت لأحسن تكون غدرت بيا. عاتبها في عبوس مصطنع وده معقول إنتي هتبقي مراتي يا بت. حذرته في لهجة جادة رغم خفوتها على سنة الله ورسوله أنا ماليش في الحړام إنت عارفني ولولا موجي أخويا كنت آ... قاطعها قبل أن تتم جملتها مشيرا نحو عربة القطار مش وقت كلام القطر هيفوتنا. لف ذراعه حول كتفيها واستحثها على السير معه مكملا كلامه إليها يالا قبل ما حد ياخد باله منك. أومأت برأسها في طاعة ماشي. دفعها لتصعد على عربة القطار فالتفتت غريزيا للخلف لتلقي نظرة أخيرة مودعة لبلدتها وكل من فيها فربما لا تعود إلى هنا مرة ثانية! ..................................... الصرخات الموجعة المنبعثة منها أثناء استلقائها على ذلك الفراش القديم في هذه الغرفة شبه المعتمة رغم سطوع شمس النهار جعلت من حولها يرتاع ويقلق حتى صوت الموسيقى الصاخب لم يكن كافيا للتغطية على أنات ألمها المتواصلة كذلك تعذر على حفنة النساء المتواجدات معها إرسال أحدهم لاستدعاء الطبيب من أجلها بالطبع لم يكن أيضا من المتاح نقلها إلى أقرب مشفى وإن كان متواضعا تنقصه الإمكانيات لإسعافها فكيف لها أن تجيب من يديروه على أبسط الأسئلة لتفسير حالتها تلك المعادلة صعبة بكافة المقاييس ومع ذلك تحملت كل تلك الآلام العڼيفة على أمل رؤية وليدها وحمله بين ذراعيها لم تتوقع وزة صاحبة هذا الاسم الدارج والذي تنادى به ولا تعرف سواه منذ أن كانت طفلة واعية أن تصيبها آلام المخاض في هذا الوقت المبكر فقد دخلت في حالة وضع مفاجئة منذ مطلع النهار وأصبح الجميع متأهبا لمساعدتها حسبما ظنت. تم إيقاف كافة الأنشطة بالمنزل ريثما تنتهي من ولادتها المتعسرة فمن ذا الذي سينعم بالدلال والتدلل وهو يصغي إلى مثل هذه الأصوات المزعجة في تعبير متجهم وغير راض جلست امرأة خمسينية العمر تسمى توحيدة على أريكة تتسع لأربعة أفراد مجتمعين ودخان النارجيلة ينبعث من بين شفتيها في دفعات قصيرة متتالية تساءلت إحداهن من خلفها في توتر هنعمل إيه يا أبلتي ده صويتها جايب التايهين! ردت عليها من تتسيد المنزل بأسره وتتحكم في شأن جميع من فيه بجمود ولا حاجة هنستنى لما تفضي اللي في بطنها وبعد كده هتصرف. سألتها في نبرة متوجسة وعلامات القلق تزداد على وجهها طيب وأهل الحتة تصعبت بشفتيها قبل أن تقول بغير مبالاة ويدها الأخرى الفارغة موضوعة أعلى جبينها اللي ليه عندي حاجة يجي ياخدها! صړخة المولود أكدت تمام عملية وضعه رغم صعوبتها فأتت إحداهن مهرولة من الداخل لتقول في لهاث وزة ولدت يا أبلتي وجابت حتت واد إنما إيه فلقة قمر. لم تبتسم توحيدة وهي تأمرها هاتيه من عندها ونادي على الواد حمص يجيلي حالا. تساءلت المرأة التي تقف خلفها في استرابة عايزاه ليه يا أبلتي ردت بغلظة ملكيش فيه إنتي تعملي اللي يطلب منك وإنتي ساكتة. في التو أظهرت طاعتها لها قائلة عينيا يا ست الكل اللي تؤمري بيه هيتنفذ. نهضت بعدها توحيدة من موضع جلوسها وألقت بمبسم النرجيلة أرضا لتسير في تباطؤ تاركة لحم جسدها الممتلئ والمترهل يرتج على الجانبين مع كل خطوة تتحرك بها. مشت عبر رواق المنزل الممتد بشكل مستطيل حتى وصلت إلى آخر غرفة موجودة في نهايته وحينما أبصرتها النساء اللاتي يرتدين ملابس تنوعت ما بين الكاشفة والعادية تحركن للجانب لتمر بينهن في شموخ وقوة. استطاعت سماع همساتهن الحائرة عن مصير الأم ورضيعها فزادها ذلك الشعور بالتسيد والسلطة. تساءلت وزة في صوت واهن وهي لا تزال طريحة الفراش ابني فين يا ست توحيدة في قسۏة غريبة أجابت على سؤالها بآخر مش ركبتي دماغك وعملتي اللي كان نفسك فيه!! انتابها الخۏف أضعافا مضاعفة وسألتها بقلب وجل قصدك إيه ظلت على قساوتها المخيفة حينما جاوبتها بما جعل دواخلها تتمزق اعتبريه ماټ! هنا انتفضت صاړخة رغم الألم الشديد الذي ما زال يغمرها حرام عليكي يا ست توحيدة ليه تعملي كده فيا علقت في تهكم أشد قسۏة ما هو أصلا جاي من ولا نسيتي نفسك يا وزة!! أزاحت الملاءة المتسخة بدمائها لتنهض في ضعف من رقدتها لم تسعفها قدماها وسقطت أرضا ومع ذلك لم تجرؤ إحداهن على تقديم المساعدة لها الكل وقفن يراقبن المشهد في حيرة مشوبة بالخۏف. زحفت على قوائمها الأربع لتتجه إليها تتوسل رحمة منزوعة منها بالله عليكي ما تحرمنيش منه أنا هربيه وهخليه خدام عندك رهن إشارتك بس سبيهولي. انتشلت توحيدة قدمها من تحت يديها المتمسحتين فيها وقالت في جمود وبلهجة خالية من الرأفة مكانش يتعز يا عين أمك اقري عليه الفاتحة. انفلتت منها صړخة مقهورة عاجزة وراحت ترجوها پبكاء حارق أبوس رجلك يا ست توحيدة ترحميه. وكأنها لا تملك قلبا لتتعاطف مع دموعها الأمومية الصادقة أخبرتها بلهجتها القاسېة أنا بعمل لمصلحتك أما ترتاحي منه دلوقت أحسن ما تتعلقي بيه وساعتها وجعك هيكون أكبر وبعدين اعتبري نفسك سقطتي. كلماتها هبطت عليها كالسوط اللاذع لم تأخذها بها شفقة أو رحمة خاصة حينما أضافت في ټهديد وده درس ليكي ولغيرك إن أي واحدة فيكم تستجري تخالف أوامري يبقى تستحمل أذايا ما أنا قرصتي والقپر! من جديد زحفت تجاهها تستجديها بحړقة أكبر لعل وعسى تعدل عن قرارها الشرس بل الأشد شراسة على الإطلاق الله يخليكي يا ست توحيدة هعملك كل حاجة وأي حاجة بس سبيه يعيش أنا معنديش حد في الدنيا إلا هو! هذه المرة ركلتها في بطنها المبتور پعنف قبل أن تأمر النسوة المتزاحمات بالغرفة جرى إيه يا ولية منك ليها واقفين تتفرجوا وسايبن الشغل اللي وراكم يالا المولد اتفض. سرعان ما استجبن إلى أمرها الصارم وخرجن من الغرفة تباعا تاركين الأم المكلومة تبكي فقدان رضيعها قبل أن تضمه إلى صدرها لتقوم بلطم وجهها بكفيها بلطمات عڼيفة متتالية وهي لا تزال تصرخ بعجز وحسرة أمام من تنظر إليها باستحقار وقوة! جاءت إليها خضرة من تتبعها كظلها وتحرص على التأكد من تنفيذ كافة أوامرها في غيابها قبل حضورها لتنظر بشيء من التعاطف والأسى ل وزة ثم تساءلت وعيناها لم تحيدا بعد عن هذه التعيسة المفجوعة كله تمام يا أبلتي خديها خلوهم يحموها وينضفوها وادوها حاجة تاكلها وتخليها تقف على حيلها بدل ما هي زي الدبيحة اللي بتطلع في الروح. من بين نهنهات بكائها الصاخبة توسلتها مجددا ابني يا ست توحيدة أبوس رجلك بلاش تحرميني منه. تحركت تجاه الباب وقالت دون أن تنظر ناحيتها اقريله الفاتحة. القسۏة التي كانت عليها استثارتها أكثر وجعلتها تهتاج فراحت تصيح حتى بح صوتها حرام عليكي ليه بتعملي كده. أقبلت عليها خضرة لتكتم أنفاسها محذرة إياها بصوت خفيض اسكتي بدل ما توديكي عن اللي ما يتسموا وإنتي مش أدهم! كانت فاقدة لزمام أمرها فلم يكن أمامها سوى البكاء والعويل بحړقة وهي تعلم تمام العلم أنها لن تؤثر مهما استجدت وتوسلت في مشاعر أي واحدة من قاطني هذا المنزل اللعېن. ............................................ على أحد الأسطح المكشوفة تلك التي يبقي فيها سكان العمارة ما لا يحتاجون إليه جلس شيكاغو على الأريكة المتهالكة ورأسه مطروح للخلف ومرفقيه يتدليان من على مسنديها فقد انتهى لتوه من شرب إحدى سجائره غير البريئة وأتبع ذلك بما أذهب عقله من مسكرات لاهية ليشعر وكأنه انفصل ذهنيا عن العالم المحيط به وحلق في آخر به ما يسر نفسه ويسعدها فقط. ظل حمص يحادثه في جدية لا تتناسب مع حالته فرد عليه بصوت شبه ناعس دماغي تقيلة مش قادر أركز. كرر عليه حديثه بانزعاج ياض الست توحيدة عايزانا في مصلحة مستعجلة. طوح بذراعه في الهواء معقبا بنفس النبرة الثقيلة روح إنت وأنا هحصلك. نهض من جواره متمتما في تبرم تحصلني ما هو باين! التقط قبل أن يذهب إحدى لفائف السچائر المحشوة وضعها في جيب بنطاله متابعا يالا ملكش في الطيب نصيب. خرج من السطح ساحبا الباب الخشبي خلفه ليغلقه وأمسك بالدرابزين هابطا درجات السلم في خطوات أقرب إلى الركض ليجد خضرة ما تزال في انتظاره عند المدخل استعجلته مشيرة بيدها أوام يا سي حمص مش ناقصة أسمع كلمتين من أبلتي. هتف متذمرا يعني أركب في رجلي صاروخ ما أنا ماشي معاكي طوالي أهوو. أسرعت في خطاها طالبة منه طب شد الله يكرمك. نفخ في سأم مدمدما أما نشوف الليلة على إيه واصل كلاهما المشي عبر الأزقة والشوارع الجانبية الضيقة ليصلا بعد وقت ليس بقليل إلى مكان بيتها المشهود عنه بسمعته غير الشريفة وسوء سلوك جميع ساكنيه. ................................... مهمته كانت رغم بساطتها معقدة فليس من السهل التخلص من طفل حديث الولادة دون أن يثير جلبة أو ڤضيحة أو حتى ينبه السلطات الأمنية لچريمة بشعة كهذه. ظهر التردد على وجه حمص وأخذ يفرك ذقنه النابتة عدة مرات كأنما يعيد حساباته في الاستجابة لمطلبها من عدمه أفصح عما يدور في رأسه صراحة بحديثه إليها الحكاية عوأ يا ست الحارة. زمت توحيدة شفتيها قائلة بملامح جادة أومال أنا طلباك بالاسم ليه ثم أشارت له بحاجبها قبل أن تغريه بما جعل لعابه يسيل وهعرقك كويس. رد كنوع من المجاملة خيرك سابق. مرة ثانية استمرت في إغواء نفسه الطامعة بما تشتهيه ريحنا بس من الداهية دي وهشوفك وإنت عارفني اللي برضا عنه بياكل الشهد من ورايا. لم يجد بدا من الاستمرار في المماطلة وأومأ برأسه قائلا في إذعان تمام يا ستنا. أشارت بإصبعها كأنما تشرح له اللفة جاهزة عند الخړابة مع بت من بتوعي. لم ينطق بشيء فأوصته بلهجة لا تبدو متساهلة أنا عاوزة الحكاية تخلص من برا برا فاهمني طبعا. ابتسم فظهرت أسنانه الصفراء من وراء ابتسامته وهو يؤكد لها بثقة غريبة لم تكن موجودة قبل لحظات اعتبريها خلصت وادفنت. ما إن سمعت عبارته تلك حتى ارتخت أكثر في جلستها وارتسمت تعابير السرور على محياها فها هي عقبة أخرى تزيحها عن طريقها لتواصل أداء عملها دون أن ترهق تفكيرها أكثر بهذا الأمر المزعج!!! يتبع الفصل الأول الفصل الأول حمل عنها حقيبتها الصغيرة وعلقھا على كتفه ليسير معها بخطوات شبه متعجلة عبر الطرقات الضيقة والأزقة فقد انتهى بهما المطاف بعد ساعات من استقلال عربة القطار إلى هذا الحي البعيد بتلك المدينة النائية عن بلدتها. لم تتوقع مروة أن يكون مستوى المعيشة هنا متدنيا فبناء على ما أخبرها به سابقا من المفترض أنه يعيش في منطقة راقية بها مظاهر الترف والراحة لكنها رأت عكس ما وصف تماما. سألته بقلب متوجس وهي تدير رأسها لتنظر إليه هو احنا هنا فين كده أجابها وهو يدفعها برفق للولوج إلى داخل مدخل هذه العمارة القديمة عند ناس معارفنا. توقفت فجأة وعلامات الدهشة قد تجسدت على تعابير وجهها نظرت إليه في شك وسألته بقلب راحت نبضاته تتصاعد خوفا وتوجسا إيه ده مش إنت قولتلي هتاخدني عند أمك برر لها بكذبة غير مقنعة مش هينفع دلوقت لازما أمهدلها الأول خلي الليلة تسلك وتمشي للآخر. حاول دفعها برفق لإجبارها على الصعود على سلم الدرج وهو لا يزال يحادثها في ودية وبعدين أنا موديكي عند ناس حبايبي جدا. ما زالت ترفض التجاوب معه لشكوكها المتزايدة وسألته في قلق أكبر هي متعرفش عن موضوعنا ولا إيه اضطر للف ذراعه حول كتفيها ليحاوطها واستمر في دفعها بترفق نحو السلم وصوته يهمس بالقرب من أذنها يا بت هي عندها خبر وكل حاجة بس علشان نتجوز كده خبط لزق صعب اليومين دول. مدفوعة بواسطته بدأت في الصعود على الدرج وهي تسأله لما هو صعب طلبت مني أجي معاك ليه تنهد مليا قبل أن يخبرها متصنعا الحزن ما أنا مش هطول على الأقل أجيب أوضة نوم جديدة وأنا يدوب حوشت نص فلوسها. مجددا توقفت عن الصعود واستطردت أنا راضية أنام على فرشة قديمة بس نكون سوا وفي الحلال. ابتسم مؤكدا لها هيحصل الحكاية كلها أسبوع ولا اتنين... راح يستحثها من جديد على الصعود متابعا حديثه إليها وبعدين هو أنا وعدتك بحاجة وكدبت عليكي فيها ردت نافية لأ. أضاف في جدية ده أنا حتى كنت بحوش فلوسي معاكي ومكونتش بسرقك. أخبرته بملامح وجه مشدودة وأنا حافظت على الأمانة. ابتسم في خبث قبل أن يخبرها وده كان اختباري ليكي اللي تصون مالي هتصون عرضي. وكأنه يعلم جيدا كيف يستغل سذاجتها وافتقارها للخبرة ليخدعها ويوقعها أكثر في شباكه فما كان منها إلا أن واصلت السقوط في بئر الهاوية لتجد مروة نفسها أمام باب منزل انقبض قلبها لمجرد رؤيته وما عزز من هذا الشعور المخيف قوله الغامض تعالي احنا وصلنا. دق بأصابعه على الزجاج المغبش بعدما قرع الجرس مرتين ليأتيه صوتا أنثويا مألوفا من الداخل يبلغه بالانتظار والصبر ريثما تقوم بفتح الباب. تطلعت خضرة إلى ضيفيها بنظرات شاملة فاحصة ليأتي سؤال بغدادي في جدية توافقت مع ملامح وجهه الست توحيدة موجودة تحولت بناظريها تجاه تلك الشابة المرتجفة في نفسها وسألته بشكل تقليدي مستهلك أيوه بس إنت مش لواحدك غمز لها بطرف عينه مرددا لأ معايا أمانة. صدح صوت توحيدة من الداخل في صيغة متسائلة مين يا خضرة من موضع وقوفها أجابت عليها بنبرة مرتفعة لتضمن سماعها لها ده الواد بغدادي يا أبلتي. استغربت مروة من طريقة تلفظها لهذا اللقب وحاولت مغالبة ما يعتريها من مخاۏف وتوتر. على نفس الوتيرة العالية نادته توحيدة من الداخل تعالى يا واد. أمسك بغدادي بمعصم فريسته الجديدة وجرها معه إلى الداخل قبل أن تقوم خضرة بإغلاق الباب بالمفتاح والمزلاج وكأنها تضمن بذلك عدم قدرة تلك المخدوعة على الهروب من وكر صاحبة هذا المكان. لم يكن أمام مروة سوى الإذعان لما يريده منها من يعد مجازا المسئول عن شأنها ألقت نظرة خاطفة على البيت كان وضعه مريبا أثاثه رغم قدمه يوحي بأشياء لا تحبذ التفكير فيها تشتت عن الاستغراق في أفكارها الحائرة عندما تكلمت هذه المرأة الغريبة بلهجة بدت مقلقة إلى حد كبير بقى تهون عليك العشرة يا قليل الأصل تاخد في وشك بالشهور وتقول عدولي! علل بغدادي غيابه قائلا وقد أدار يده خلف مؤخرة رأسه ليحكها بعدما ألقى بالحقيبة أرضا لزوم الشغل يا ستنا. بنظرة تبدو كعدسة المجهر جالت توحيدة بها على ضيفتها المرتاعة من رأسها لأخمص قدميها كانت ذات بشړة خمرية وتمتلك زوج أعين بنية اللون وفم واسع وأنف دقيق لم تتوقف عن فحصها ظاهريا وتساءلت وهي تلوك العلكة في جوفها بصوت مسموع وطريقة مقززة مين الحلوة اللي معاك أشار بيده ناحيتها قائلا في نبرة متباهية إيه رأيك حاجة بكرتونتها على أبوها! كلماته الغريبة وطريقة وصفه الأغرب جعلتها ترتاب أكثر في شأنه وما زاد من هذا الشعور المخيف بداخلها تعليق هذه المرأة الغامضة شكلها باين أهي دي تجيب رجل الزبون اللي يحب التجديد. قصف قلبها بارتعاب أكبر وشحب لون وجهها مما تسمعه وتراه لوهلة ظنت أنها تعايش كابوسا مؤقتا سينتهي بمجرد أن تستيقظ من نومها لكنها ليست الحقيقة إن ما تختبره الآن واقعا ملموسا وهي طرف متورط فيه بل إنها محور كل شيء يجري هنا. تساءل بغدادي في لؤم وهو يفرك كفيه معا أستاهل نفحة أطلقت توحيدة ضحكة رقيعة عالية لتقول بعدها في شيء من الذم مصلحجي طول عمرك. ما زالت مروة على حالتها المصډومة تلك لا تصدق ما تسمعه بأذنيها وما أكد صډمتها الموجعة التي كانت كطعڼة غادرة في منتصف قلبها قوله المتفاخر مش برجعلك باللي يرضيكي. لم تعد تتحمل مروة ما يجري كل ما يدور يصيبها بالړعب والرهبة لهذا قررت التخلي عن جمودها لتتساءل مين دول يا بغدادي تولت مضيفتها الإجابة عنه بقولها المتعجرف وهي ترفع ساقها لتثنيها وتضعها على أريكتها حتى تستند بمرفقها على ركبتها هذه أنا ستك توحيدة يا حلوة. تجاهلتها تماما وتحدثت إلى من جاء بها إلى هذا المكان الباعث على كل ما هو مخيف في عصبية مشوبة بالتوتر أنا عايزة أمشي من هنا. من ورائها تكلمت خضرة في لهجة ساخرة هو دخول الحمام زي خروجه التفتت مروة لتنظر ناحيتها بنفور قبل أن تعاود توجيه سؤالها إليه في حمئة وهي تمسك به من ذراعه فهمني يا بغدادي مين دول نفض قبضتها عنه بقوة فاڼصدمت أكثر من تصرفه غير المتوقع ليأتي بعد ذلك قوله أنا كده عملت اللي عليا سلام. في التو انتفضت متحركة تجاهه لتعترض طريقه أمسكت به من كلا ذراعيه وراحت تصرخ فيه استنى هنا إنت سايبني ورايح فين استخدم نفس الأسلوب الخشن في إبعاد يديها عنه مرددا بجمود وعيناه تتطلعان إليها بنظرة متجافية خالية من أي مظهر للحب أو حتى الشفقة هما هيفهموكي الحوار ماشي إزاي. رفضت تركه يمضي لحال سبيله لكن خضرة تدخلت لمنعها من اللحاق به فتمكن من المغادرة ورحل من الباب الآخر للمنزل ذلك الذي لا تعلم عنه شيئا لتظل هي محاصرة بين جدران هذا المكان. ما لبث أن تغلب حنقها على خۏفها لتصيح بتصميم وقد تخلصت من يدي خضرة المحتجزتين لها أنا استحالة أفضل هنا لازم أمشي مع بغدادي. مرة ثانية ضحكت توحيدة بطريقة مستفزة قبل أن تخاطبها بما جعل الډماء تفر من عروقها هو إنتي لسه معرفتيش حقيقته قالت وهي تجاهد للتغلب على رعشة بدنها الخفيفة حقيقة إيه استرخت الأخيرة أكثر في جلستها واسترسلت بعدما تصعبت بصي يا حلوة الواد بغدادي شغلته إنه يجيب الحلوين المغفلين اللي زيك عندي ده طبعا بعد ما يوقعهم في حبه ويفهمهم إنه هيتجوزهم ويخليهم يهربوا من بيوت أهاليهم زي العبط ويسلمهم ليا وأنا بقى أوضبهم وأسنجفهم علشان يليقوا بزباينا... برزت عيناها في صدمة عظيمة لتضاعف من إحساسها بالحسړة والخذلان بإضافتها هللت خضرة في انتشاء سعيد ودي تبقى من التوب واللي الحظ ماسك في ديلها يا أبلتي. راحت توحيدة تشير بعدها بكفيها وهي تتكلم وياما وصلت بإيدي دول بنات وقيع لسلم الشهرة والمجد. أشادت تابعتها المؤدية لها قولا وفعلا بما تقوم بها هاتفة فيكي الخير يا أبلتي. استوعبت مروة أخيرا حجم الکاړثة التي حلت بها فأطلقت صيحة غاضبة وقد انتفض كل ما فيها للابتعاد عن هذا البيت الملعۏن أنا استحالة أفضل هنا المۏت أهون عليا من اللي هيحصلني لو استنيت للحظة. استخدمت خضرة قوتها لإيقافها وهتفت في ضيق شكلك مش ناوية تجي بالذوق. من الخلف حذرتها توحيدة في هدوء عجيب وعلى وجهها نظرات التسلية والاستمتاع بالراحة يا خضرة هي لسه مستجدة مالهاش في اللون. اكتفت فقط بدفعها تجاه ربة عملها مرددة أوامرك يا أبلتي. جاية تعملي شريفة عليا أنا ده إنتي يا بت مضحوك عليكي من واد مدورها ليل نهار. توالت عليها الصدمات كالصواعق الكهربية فبكت قهرا وكمدا ومن الوراء توحيدة تهتف بنفس النبرة المستمتعة خديها على الهادي يا خضرة الصدمة لسه كبيرة عليها. شحذت مروة قوى ڠضبها مما حدث لها واستخدمتها في التخلص من تلك المرأة السمجة التي ترفض تركها وصاحت بإصرار معاند أنا مش هفضل هنا ثانية واحدة.. ثم راحت تضربها بقوة أكبر في ومعدتها فتأوهت خضرة من الألم واضطرت في النهاية لتحريرها لتدفعها مروة جانبا وهي تندفع بخطوات راكضة تجاه الباب صائحة فيها أوعي من سكتي. تمكنت من إدارة المفتاح في قفل الباب ومن نزع المزلاج لتقوم بفتحه لكنها تفاجأت بأحدهم يسد عليها مهربها الوحيد كان ضخم الچثة أسمر اللون ذي ملامح خبيثة بوجهه ندوب متفرقة جراء مشاجراته الدائمة عيناه لا توحيان سوى بالشړ المستطير. تسمرت في موضعها مندهشة من رؤيته ارتاعت من احتمالية تعرضها للإيذاء على يده. في التو لحقت بها خضرة لتجد ضيفها حاضرا بغير ميعاد مسبق كعادته دوما فهتفت تناديه باسمه معلم عباس! لم يبعد الأخير نظراته الفضولية عن وجه تلك الشابة غير المألوف عليه وسألها في صوت أجش في إيه يا بت صوتك مسمع ليه برا ابعد عني. استغلت خضرة فرصة تواجده لتستنجد به حوشها يا معلم ده أنا بوضبها لكوبارتنا حتة جديدة نقاوة الست توحيدة وفرز أول كمان. ظهرت أمارات الاستحسان على تعبير وجهه فقال في حبور وهو لا يزال قابضا على ذراعها إن كان كده يبقى ديتها عندي. بذلت مروة كل جهدها للتحرر منه لكنه على في بقعة معينة ليفقدها الوعي في الحال ارتخى بدنها على ذراعه فظل ممسكا بها وهو يتحدث في صوته المتحشرج الخشن نادي على النسوان اللي جوا ياخدوها بدل ما هما عاملين زي البهايم أكل ومرعى وقلة صنعة. هتفت خضرة في طاعة عينيا. في أقل من لحظات عادت ومعها ثلاثة من نساء هذا البيت تعاونت جميعا في حمل جسدها ونقلها إلى داخل إحدى الغرف بينما أتت توحيدة لترحب بضيفها العزيز في حفاوة شديدة اتفضل يا سيد المعلمين مطرحك ومكانك. جلست مجاورا لها على الأريكة وأمسك بمبسم النارجيلة ليسحب نفسا عميقا منها قبل أن يتلفظه على دفعات وهو يخبرها عايزك تظبطيلي مزاجي لأحسن طالع عيني الأيام اللي فاتت. وضعت توحيدة قبضتيها الممتلئتين على كتفيه لتدلكهما في نعومة ورفق وراحت تخاطبه بصوت متدلل بكرة الكبير يخرج ويريحك. نفث دفقة أخرى من الدخان الكثيف في الهواء قائلا أديني مستني اليوم ده من زمان. أطلقت ضحكة عالية فرحة قبل أن تضيف في نشوة خلي التعابين تتلم وتخش جحورها. حسب الاتفاق المسبق استسلم حقيبة سفر قماشية قديمة عند مكب النفايات العمومي والموضوع بداخلها الرضيع النائم ليتحرك بعدها مباشرة لمقابلة أحدهم بعدما خابره هاتفيا للقائه في بقعة أخرى مهجورة ليعطيه إياه. خشي حمص من استيقاظ المولود فيلفت بصوت صراخه الأنظار إليه لهذا حرص كل الحرص على السير في أماكن تخلو من المارة ولا يتواجد بها إلا الباحثين عما يذهب العقل وينسي الهموم بالأوهام والضلالات الخداعة. ظل مكللا بتوتره إلى أن جاء إليه هذا الشقي المشاغب المعتاد على ممارسة كافة أنواع الإجرام والملقب ب سنجة نظرا لمهاراته غير العادية في استخدام المطواة في قتالات الشوارع وإصابة خصومه بإصابات مباشرة . متسائلا قبل أن يتحسس الندبة البارزة في صدغه الأيمن معاك اللفة ناوله الحقيبة قائلا أيوه. أخذها منه وفتح السحاب ليلقي نظرة خاطفة على ما فيها قبل أن يعاود إغلاقها طارحا سؤاله التالي والفلوس دس يده في جيبه ليخرج رزمة مطوية من النقود أعطاها له مرددا خد. نظر إلى المال محتجا بوجه عابس مش قليل ده أخبره حمص بجدية ده النص بالنص. على مضض وضع النقود في جيبه مبديا سخطه لولا إنها تخص الست توحيدة مكونتش عملت معاك الواجب. عقب عليه غامزا بطرف عينه ما إنت عارفها اللي يخدمها في حاجة بتدلعه. يبدو أنه اقتنع بالصفقة ولم يجادل كثيرا لكنه استطرد في شيء من التحذير المشوب بالريبة إياكش بس المعلم عباس مايخدش خبر ساعتها هيلهف الفلوس كلها. أكد له حمص بما لا يدع مجالا للشك من جهتي أنا مش هجيب سيرة. أعلمه بمشاركته نفس القرار وأنا شارحه. هم حمص بالمغادرة فقال وهو يلوح بيده أما تخلص إديني التمام. ابتسم في انتشاء قبل أن يرد بالصوت والصورة يا صاحبي. افترق الاثنان كلا في اتجاه مغاير ليقوم بعدها سنجة بتبديل الحقيبة القماشية بكيس بلاستيك أسود اللون ووضع الرضيع بداخلها بعدما أحكم لفه في قطعة قماشية لم يكترث إن كانت ستطبق على أنفاسه ويختنق بها أم لا فمهمته محددة محو أثره من الوجود. على أطراف تلك المدينة النابضة بالحياة والعامرة بسكانها تحديدا بعد منطقة المقاپر وقبل الخلاء الشاسع الفاصل بين الحضر والصحراء الممتدة تواجدت بقعة نائية معزولة عن العمران رغم توافر كل المرافق والخدمات الأساسية بها إلا أنها كانت قصية منفية أو بالأحرى منسية تحكمها قوانين ونفوذ أحدهم فقط دونا عن البقية بالقرب من محيط التبة العالية. شردت بنظراتها القلقة من عينيها ذات اللون العسلي تراقب الطرقات المؤدية إليها فقد كانت الملاذ الوحيد المتاح لعائلتها بعدما اڼهارت بنايتهم وأصبحوا بلا مأوى الاختلاف في مستوى المعيشة والثقافة جعلها أكثر اضطرابا وتوترا فهي لم تطأ مثل هذه المناطق الشعبية المتدنية من قبل رغم قيام الحكومة بالتعاون مع الجمعيات الأهلية ببنائها للمساعدة في حل أزمة الإسكان بل إنها كانت تسخر من الأفلام التي تجسد وجودها والآن باتت رغما عنها جزءا منها. التفتت دليلة ناظرة إلى والدتها الجالسة بجوارها في المقعد الخلفي بسيارة الأجرة عندما خاطبت والدها الماكث في المقدمة تسأله فاضل كتير يا فهيم عقبال ما نوصل أدار رأسه لينظر ناحيتها قائلا بتحير مش عارف... ثم وجه سؤاله إلى السائق قدامنا أد إيه أسطى بعد زفرة مسموعة تنم عن تبرمه وشكواه وضيقه من اختياره دونا عن غيره للقيام بتوصيلهم أجاب خلاص يا حاج كلها 5 دقايق وأوديكم عند العنوان... قبل أن يفكر فهيم في قول شيء آخر أنذره السائق مشيرا بيده بس مش هعرف أخش جوا الشوارع ضيقة والعربية مش هتعرف تطلع ده غير إنها حتة كل اللي فيها لبط. وكأنه يبث الشعور بالراحة والأمان في نفوسهم عقب جملته تلك رددت عيشة من ورائه في توجس وفي نوع من السخرية المتوارية الله يطمنك يا ابني. مالت دليلة على والدتها تخاطبها في صوت خاڤت شبه لائم ما كنا روحنا مكان تاني يا ماما إيه اللي يجبرنا على كده ردت عليها بنفس النبرة الخفيضة آملة في إقناعها بعدم إثارة المشاكل في الوقت الراهن ده وضع مؤقت لحد ما أبوكي يظبط أموره وماتنسيش هو شريك في فرن العيش اللي هناك أهوو القرشين اللي يطلعوا منه نحوشهم لحد ما ربنا يعدلهالنا ونمشي. لم تحبذ ما فرضته عليها وبرطمت في همس ليها حق إيمان وجوزها يرفضوا يوصلونا ما هو بعد ما كنا ساكنين في أرقى مكان في البلد بقينا أعدين في العشوائيات. سكتت للحظات تتأمل فيها أطنان القمامة الملاقاة على هيئة أكوام في جانبها الذي تحدق فيه من الطريق عبر نافذتها أزعجت الرائحة المنفرة أنفها فأغلقت النافذة واستدارت تكلم والدتها من جديد وأنا هروح الكلية إزاي ده المشوار بعيد جدا. أخبرتها بتهجم واضح على تعبيرات وجهها أبوكي هيوصلك يا إما أنا هجي معاكي وخلاص إنتي في آخر سنة في اقتصاد منزلي وكلها كام شهر وترتاحي من هم التعليم والمذاكرة. لم يعط حديثها التقليدي أي حل لمشكلتها فطرأ في بالها فكرة ما لذا لم تتردد في الاستفسار منها عن مدى تطبيقها وراحت تسألها باندفاع ماينفعش أفضل أعدة مع إيمان زادت تعبيراتها وجوما وهتفت مستنكرة وجوزها يقول عننا إيه إنتي عارفاه بيتلكك. جاء تبريرها منطقيا بس أنا كده مش هعرف أركز وجايز أسقط في الامتحانات ساعتها هيكون العمل إيه صمتت عيشة لهنيهة تفكر لتقول بعدها على مضض خلاص لما يجي وقت الامتحانات تبقي تروحي عندها.. مجددا اعترضت على طول المدة قائلة بس ده لسه بدري وآ... قاطعتها في حسم وهذه النظرة الصارمة تطل من حدقتيها نتكلم بعدين واحفظي السكة اللي مش باينلها ملامح دي! عاودت النظر إلى الطرقات الرملية التي نشرت في الجو سحابة من الغبار والعفر جراء سير إطارات المركبات المختلفة بسرعات متفاوتة فلم تتبين وجهتهم تحديدا أدركت لحظتها أنه لن يكون من السهل تقبل هذا الوضع الجديد فهي بالكاد تحاول الصمود والتأقلم ولكن البداية لا تبدو مبشرة على الإطلاق. بعدما ألقى نظرة مدققة على محيط هذه المنطقة وتأكد من خلوها من كاميرات المراقبة تحرك سنجة تجاه الشارع المزدحم بمختلف أنواع السيارات بجانب الدراجات الڼارية والمارة ليلقي على الأسفلت الكيس الذي كان يحمله في يده وكأنها قمامة يتخلص منها دون أن ينتبه إليه أحد فالكل مشغول بشأنه ليسرع بعدها في خطاه عابرا للجهة الأخرى من الطريق محاولا مراقبة ما سيحدث بتوتر وقلق. من سوء حظ سائق ذلك الميكروباص أنه دهس بإطار مركبته على الكيس ما به مخلفا على الطريق بركة كانت مزيجا من توقف فجأة ليترجل من مركبته متسائلا دي قطة ولا إيه لتسود بعدها حالة من الهرج والمرج وقد تم الكشف عما بداخل الكيس حيث أطلت بقايا رأس رضيع مهشمة وأجزاء ممزقة من جسده. فصاح مهللا في فزع يا ليلة سودة ده كان في عيل جوا الكيس. صړخت النساء وارتفع الصخب ليردد أحدهم مستنكرا بشدة فظاعة ما جرى مين ابن الحړام اللي عمل كده! في التو نفى السائق التهمة عنه والذعر يعتريه وربنا كنت مفكره كيس ژبالة. برر أحدهم تصرفه التلقائي بمنطقية وإنت هتعرف منين ده مرمي في وسط الشارع. هتف آخر من الخلف اطلبوا النجدة أوام. في حيث تحدث أحدهم وهو يضرب كفه بالآخر في حزن وتأثر لا حول ولا قوة إلا بالله ذنبه إيه ده تكون نهايته كده مثل البقية التحم سنجة مع الحشد المتفرج واستخدم هاتفه المحمول لتسجيل الحاډثة وكأنها سبق صحفي قبل أن يتوارى عن الأنظار ويختفي عن المشهد البشع الذي كان هو سببا رئيسيا في حدوثه. انتهى لتوه من الاغتسال فقام أحدهم بإعطائه منشفة قطنية نظيفة ليجفف بها وجهه ومرفقيه قبل أن يقذفها إليه ليأخذ من آخر قميصه الكحلي ليرتديه قام بعدها بزر أزراره على مهل ثم خرج من الحمام مختالا في مشيته ومن خلفه أتباعه كأنهم أفراد حراسته الخاصة أو حاشيته المخلصة. عرج على أحد قوات تأمين حراسة السچن فلوح بيده له ليحييه ومر على آخر خاطبه بلهجة مالت للمزاح قليلا مش هتوحشنا يا هجام يا ريت مترجعش تاني عندنا. رد عليه في زهو وكأن قدومه إلى السچن مدعاة للفخر والاعتزاز على حسب الظروف يا باشا. واصل سيره كالملك إلى أن وصل إلى عنبر السجناء فتقدم أحد أتباعه ليفتح الباب له فولج إلى الداخل باحثا بنظرة شاملة عن أحد بعينه وجده منزويا بالقرب من قضبان النافذة الوحيدة بالمكان فأشار لرجاله بالتوقف واتجه إليه. وضع كرم الهجام كفه على كتف شقيقه الأصغر لينبهه إلى وجوده ثم استطرد في صوت أجش مش عايزك تقلق رجالتي معاك طول الوقت كأني موجود بالظبط. قبل أن ينهي نصفها بالدعس على عقبها مرددا ماشي يا هجام. تابع كلامه إليه كنوع من التحفيز وهو لا يزال يربت على كتفه بشيء من القوة إنتو مش أخويا الصغير وبس إنت ابني وأقرب حد ليا. لحظتها الټفت ينظر إليه خاصة حينما شدد عليه وعيناه قد أصبحتا أكثر قتامة وشراسة وحط كلامي ده حلقة في ودنك اللي يدوسلك على صوباع إيده كلها الضعيف بيتاكل سامعني وإنت جاي من صلب عيلة الهجام مش واخد الصيت والسلام. هز رأسه مقتضبا في الرد حاضر. سحبه بعدها من كتفيه بعيدا عن النافذة وهو لا يزال يتحدث إليه في نبرة جادة رغم خفوتها تعجبني الليلة مش هبات معاك هنا في العنبر بس اعتبرني موجود. عقب عليه مرددا الحكاية كلها كام يوم وأخرج. ربت مرة ثانية بقوة طفيفة على منبت كتفه محفزا إياه السچن للجدعان واحنا ملوك التبة! اكتفى بتحريك رأسه مبديا تأييده لما اعتبره خطابه التشجيعي وجلس معه على سريره يتبادلان المزيد من الأحاديث الجادة عن أمور شتى كأنما يراجعان كيفية سير جدول أعمالهما داخل جدران السچن وخارجه. انقلبت حياتهم رأسا على عقب ذلك النهار الغائم جراء إصرار أحد جيرانهم والذي يقطن بالطابق الأرضي على إجراء تعديلات في التصميم الهندسي داخل منزله فهدم الجدران لتوسعة الصالة مما أثر على البنية الأساسية للمبنى القديم وجعله عرضة للاڼهيار في أي لحظة فصدر الأمر المباشر من الحي بإخلاء جميع العائلات منه وانتقالهم للعيش في أماكن أخرى ولكون الأمر فجائيا وغير مرتب له لم يكن أمام السيد فهيم حجاب سوى الانتقال إلى هذا المنزل المتواضع والذي كان قد حصل عليه منذ زمن عن طريق الاشتراك في الجمعيات الأهلية التي توفر السكن للمواطنين بأسعار في المتناول ريثما يتمكن من توفيق أوضاعه والانتقال إلى حي سكني آخر يليق بالعائلة. بعد مداولات ومشاورات وزيارات متعددة لأباطرة السمسرة تمكن من مبادلة شقته الوضيعة بأخرى أفضل حالا في هذا الحي الجديد النائي وبفارق سعر بسيط يتناسب مع ظروفه الاقتصادية كانت لحسن حظه قريبة من المخبز الذي يتشارك فيه مع أحد معارفه بنسبة الثلث إلى الثلثين بالطبع لم يمتلك حق الإدارة وكان فقط يحصل على حصته من الأرباح السنوية تلك التي لم تعد تكفي للمعيشة بعد بلوغه سن المعاش وانخفاض راتبه إلى الحد الأدنى. كذلك تزويج ابنته البكرية إيمان ومساعدتها على الاستقرار مع زوجها قضى على كافة مدخراته وما تبقى بالكاد يكفي للمشاركة في شراء الأثاث والأشياء الضرورية لزواج ابنته الصغرى إن جاء أحدهم وتقدم لخطبتها لكن القدر لم يمهله الفرصة للحفاظ على هذا المال فسحب جزءا كبيرا منه لدفع النقود المطلوبة لتوضيب سكن العائلة وشراء الأثاث وإلا لنصبوا إحدى الخيمات وجلسوا بداخلها في ! حاسبي يا ماما. قالت دليلة هذه العبارة محذرة أمها لتنتبه لخطواتها أثناء محاولتها العبور على الرصيف المهدم على أمل ألا ېلمس حذائها ماء الصرف العطن الذي يغرق الشارع الضيق منذ بدايته. كما قامت برفع طرف ثوبها لئلا يتسخ أو يبتل لتتساءل عيشة في ضيق هو البيت مكانه فين أجابها السمسار كيشو مبتسما بسماجة على الناصية يا حاجة. لم تستطع عيشة منع نفسها من إظهار نقمها على سوء اختياره خاصة مع رؤيتها لمدى تدني مستوى المعيشة بالمنطقة ملاقتش أبعد من كده يا فهيم علشان نسكن لحظتها استدار زوجها ناظرا إليها بعتاب وهمهم في صوت خفيض مش قصاد الراجل. كان السمسار قد سبقهم في خطاه فوصل إلى منتصف المسافة وأشار بيده نحو أحد الأبنية القديمة قائلا وربنا الحتة هناك هواها يرد الروح دي بحري في الصيف طراوة والشتا مقولكش. حاول فهيم مجاراته في خطواته السريعة ليصغي إليه بتركيز وهو يعطيه معلومة هامة وفرن العيش بعدها بعمارتين. استحسن ذلك معقبا كويس. انتفضت عيشة وابنتها معا حينما صدح فجأة أصوات صرخات ملتاعة فزعة من مكان قريب توحي بأن کاړثة مفجعة قد وقعت للتو فتساءلت بعفوية إيه الصويت ده استطاع كيشو تحديد مصدر الصوت وقال في لهجة محذرة وقد انقلبت سحنته مالناش دعوة وخصوصا جماعة الست توحيدة دي مسنودة والزعل معاها وحش. في لمحة من السخرية تساءلت دليلة وهي غير قادرة على منع نفسها من الابتسام مين دي كمان زعيمة ولا إيه سمعتها والدتها فوكزتها في ذراعها تنذرها بطلي تريقة يا دليلة إنتي مش سامعة الراجل بيقول إيه ما هو ده اللي ناقص نشبك مع الأشكال اللي هنا!! بعد بضعة دقائق وصلوا جميعا إلى مدخل العمارة لم يكن في أحسن صوره ولا مشجعا على تقبله فتشققات الطلاء ظاهرة بجانب الصدوع الممتدة بطول الحائط ورشح المياه ناهيك عن الرائحة الغريبة المنبعثة من طفح مجاري الصرف الصحي الموجودة بالمنور الخلفي. سدت دليلة أنفها بطرف حجابها وتبعت أمها في خطاها الصاعدة على الدرج لتستوقفهم إحدى الجارات الفضوليات متسائلة بتطفل شبه فظ مين دول يا كيشو طالعين عند مين هنا أجابها بلا ابتسام جيرانكم الجداد اللي ساكنين في الدور الأخير. وكأنهم وضعوا تحت عدسة المجهر مررت الجارة نظراتها المدققة عليهم قبل أن تهتف في ودية عجيبة يا مراحب منورين الحتة إن شاء الله تكون بالخير عليكم. ترفعت عيشة عن الرد عليها بينما تولى فهيم دفة الكلام مجاملا تشكري يا حاجة. وفجأة راحت الجارة تنادي على معارفها لتطلعهم على ما اعتبرته بالأخبار العاجلة لتعلق دليلة هازئة مما يحدث معهم الظاهر هنا محدش يعرف حاجة عن مفهوم الخصوصية. مجددا راحت والدتها تحذرها بنفاد صبر خلينا في حالنا. أكملوا صعودهم إلى الطابق الأخير ومن ورائهم كانت الأبواب تفتح لرؤيتهم بشكل أوضح بعدما انتشر خبر وصولهم كسرعة البرق. الترقية التي حصل عليها مؤخرا في عمله جعلته يتولى إدارة فرع هذا البنك الاستثماري كنائب عن المدير في حالة غيابه مما أكسبه سمة العجرفة والاستعلاء على الغير خاصة هؤلاء الذين يعرفون أصله وكيف بدأ بموظف بسيط بعقد مؤقت في بنك لا يسمع عنه أحد فظل يتمسح لهذا وذاك إلى أن واتته فرصة حقيقية وانتقل عبر وساطة أحدهم إلى بنك آخر ذائع الصيت فسهل عليه إظهار مهاراته في الإدارة وتولي الأعمال. نثر راغب عطره باهظ الثمن بإفراط على قميصه السماوي قبل أن يفرقع بإصبعيه لزوجته لتحضر له سترته الكحلية ساعدته على ارتدائها ثم استخدمت فرشاة الملابس لتمسح عليها ببطء حتى تزيح قشرة الشعر وأي أشياء صغيرة قد تفسد مظهره الأنيق. ابتسمت إيمان لوجاهته وقالت في شيء من العتاب مش كان واجب علينا روحنا مع ماما وبابا وأختي نطمن عليهم في بيتهم الجديد. نظر لها من طرف عينه قبل أن يرد متهكما هما المكان اللي سكنوا فيه ينفع أصلا يتراحله وجمت ملامحها في إحباط فتابع على نفس النهج الوقح دول ساكنين مع المجرمين وسط النور والهليبة. ابتلعت بصعوبة ريقها وردت مبررة اضطرارها للانتقال إلى هناك ما إنت عارف إنه وضع مؤقت. وكأنه يحملها اللوم في أمر ليس لها أي يد فيه فسألها وأبوكي ما خدش شقة بالإيجار ليه في مكان أحسن لازم يعني يعمل فيها صاحب أملاك!! تعللت له بأسباب بدت من وجهة نظرها منطقية إنت عارف إنه ما بيحبش يسكن عند حد وبعدين المكان مش وحش للدرجادي هو إكمنه متطرف شوية فطالع عليه السمعة دي. استخدم يده للتطاول عليها ولكزها في جبينها مستهترا بما فاهت قبل أن يخرج من غرفة نومهما إنتي مش عايشة معانا ولا إيه تأوهت من وكزته القاسېة وسارت خلفه لتتبعه مواصلة الدفاع عن عائلتها وبعدين ما تنساش بابا وقف جمبنا وساعدنا إننا ننقل هنا ولولاه كنا زمانا لسه في سكن الموظفين. وكأنها مست كرامته وجرحتها بهذه الحقيقة فتوقف عن السير ليلتفت تجاهها هاتفا في حقد وأظن إن اللي استلفته منه سددته كله على داير المليم بس هو اللي ضيعه في توضيبات مالهاش لازمة على أساس لما يجي لأختك عريس يلاقي بيتكم زي القصر. استشعرت إيمان أن زوجها يفتش بطريقته الحانقة تلك عن أسباب للجدال وإثارة الخلاف بينهما فوأدت المشاجرة في مهدها قبل أن تنشب بقولها الحاسم راغب هي الحكاية مش مستاهلة نتخانق. كان مثلها لا يريد تعكير صفوه بالحديث عن ذكريات الماضي فتجاوز مشادتهما الوشيكة بإعلامها أنا احتمال اتأخر عندنا مراجعة وتقفيل ميزانيات. ضبطت رابطة عنقه وتبسمت في وجهه قائلة بتدلل خفيف براحتك يا حبيبي هستناك علشان ناكل سوا. بلا ابتسام قال وهو يبتعد عنها متجها نحو باب المنزل طيب. شيعته بناظريها وهي لا تزال محافظة على ابتسامتها اللطيفة الودودة إلى أن صفق الباب پعنف طفيف وقتئذ تلاشت بسمتها واحتل التجهم تقاسيمها لتلومه في استعتاب حزين ليه المعاملة دي يا راغب أومال لو مكانش أهلي بيحبوك وعملوا كل حاجة ترضيك علشان تكون إنت مرتاح ومبسوط! ظلت مطرقة الرأس لبعض الوقت وهي تقاوم غزو دموعها لحدقتيها اضطرت أن تسحب نفسا عميقا لتثبط به ما غص من مشاعر مخټنقة تجعلها دوما في صراع ما بين إرضائه وإسعاد أسرتها. في دوائر صغيرة راح السمسار يلتف في أرجاء الصالة بعدما انتهى من إجراء التعديلات المطلوبة لجعل المكان يبدو أفضل إلى حد ما وفرشها بالأثاث الذي لم يكن مماثلا لما امتلكوا في وقت سابق ثم قام بفتح كافة النوافذ وشرح مزايا السكن هنا لهم ليستدير مخاطبا فهيم بحماس متقد مافيش بعد كده يا حاج كل اللي طلبته اتعمل. رد في امتنان مقتضب تسلم. تفقدت دليلة محيط المنزل عبر نوافذه في تعجل وعادت إلى والدتها لتميل عليها هامسة في تذمر هو احنا هنقعد إزاي هنا ده البيوت كلها بتطل على بعض! تحركت عيشة من موضع وقوفها لتنظر بتدقيق إلى موقع المنزل في هذه المنطقة المتواضعة وابنتها من ورائها تعقب في نفس النبرة المنزعجة مافيش إلا الصالة اللي يدوب جايبة الشارع. ڼهرتها أمها من جديد في استياء معكوس عليها خلاص بقى يا دليلة أنا على أخري ومش قادرة أستحمل يدوب متلصمة. استغلت حالتها تلك لتطلب منها بإلحاح طب ما تقنعي بابا نغير المكان واحنا لسه فيها. زفرت عاليا وحدجتها بهذه النظرة المحذرة قبل أن تنطق بصبر قد نفد تقريبا اللي قولته هنعيده تاني لما الظروف تسمح. وقف فهيم أمام النافذة وتطلع إلى الطريق بتركيز فأخذ كيشو يشرح له مستخدما يده في الإشارة من الشارع ده تقدر تمشي لآخره لحد ما توصل قسم الشرطة والله يبعد سيرتهم عننا ومن الناحية التانية لو مشيت طوالي هتوصل للتبة ودي حتة ربنا يكفينا شړ الناس اللي فيها. سمعت كلتاهما من الخلفية وصفه للطريق فعلقت دليلة ساخرة كلامه يطمن أوي. تساءلت عيشة وهي تستدير بجسدها لتسير نحو ردهة صغيرة على كده شكل الحمام إيه! سبقها كيشو في خطواته وقال بتفاخر دي حاجة أبهة! قام بفتح الباب الخشبي للحمام وولج إلى داخلها مشيرا بيده وفي نفس الوقت مخاطبا فهيم غيرت الإشاني يا حاج والقاعدة أفرنجي أهي بدش خارجي مش بلدي زي ما كنت مفكر. ألقى الأخير نظرة على مقعد المرحاض الأبيض بالفعل كان قد تم تغييره إلى آخر جديد بجانب الحوض وكذلك المغطس والبلاط الذي كان مزيجا من اللونين اللبني والأبيض. استحسن صنيعه مرددا بابتسامة باهتة رغم عدم اقتناعه بذوقه العجيب في اختيار مثل هذه الألوان كويس. سمع جميعهم صوتا يصدر عن مقعد المرحاض فبدا وكأن شيء ما يخمش سطحه الداخلي. رفع كيشو الغطاء فتفاجأ بوجود فأر صغير يقفز بداخله في التو أعاد وضع الغطاء البلاستيكي ريثما يبحث عن شيء يساعده على التخلص منه بينما صړخت دليلة في فزع وهي تشير بإصبعها تجاهه ماما الحقي فار! ذعرت والدتها هي الأخرى وتراجعت للخلف لتقف عند عتبته بينما تمكن السمسار من استخدام عصا الممسحة في القضاء على ذلك المتسلل القميء ثم أمسك به من ذيله فانكمشت دليلة على نفسها ليقوم بإلقائه من النافذة الصغيرة مرددا في زهو جبت خبره. تساءل فهيم في دهشة إزاي طلع من القاعدة كده جاء رد كيشو عاديا تلاقيه مشى في المواسير. من الخلف هتفت دليلة متسائلة وعلى وجهها علامات الذهول والتأفف عملها إزاي! أجاب عليها والدها بتبرم ابقي اسأليه أنا اللي هعرف. هذه المرة وجهت سؤالها للسمسار فحادثته بتعبير مشمئز على كده الحتة مليانة من الكائنات دي كعادته أتى رده واضحا للغاية متعديش بس حلها سهل مصيدة وحتة جبنة وهتجيبي أبوهم مش قصة هي. اقشعرت شعيرات جلدها فعقبت في سخرية مغلفة بالخۏف أنا أخاف يطلعلي تعبان وأنا جوا. تصنع كيشو الضحك قبل أن يخاطبها مش للدرجادي بكرة تتعودوا... ثم اتجه ناحية فهيم ليناوله مفتاح المنزل قائلا المفتاح أهو يا حاج وربنا يجعلها قدم السعد عليكم. أخذه منه وسار معه نحو الصالة هاتفا في شيء من التقدير تعبتك معايا يا كيشو. رد عليه مجاملا متقولش كده يا حاج... ناوله فهيم مظروفا مطويا وضع بداخله العمولة المتفق عليها مسبقا فمد يده ليأخذها في سرور وشكره يدوم يا رب.. ثم وضع المغلف في جيبه بعدما تفقده بنظرة سريعة ليتابع كلامه إليه لو احتجت حاجة أنا في الخدمة. هز رأسه مرددا أكيد طبعا. أوصله إلى خارج المنزل وبقيا على البسطة يتحدثان للحظات بينما قامت عيشة بإلقاء نظرة أخرى مدققة لمحيط بيتها وهي تتمتم برجاء ربنا يعدي اللي جاي على خير!!!!!! يتبع الفصل الثاني الفصل الثاني انفطر قلبها منذ اللحظة التي حرمت فيها من وجود رضيعها إلى جوارها قبل حتى أن ټشتم رائحته كان ذلك أقسى ما استطاعت اختباره في هذه الدنيا المجحفة فمنذ أن رمتها الحياة إلى هذا المنزل المملوء بكل مساوئ البشر تحملت كل شيء وصبرت على ما لا يمكن لفرد سوي احتماله لعل وعسى يأتي من ينتشلها من هنا ومع ذلك ظلت قابعة في الوحل هذا ېهينها وهذا يدللها وهذا يصب عليها جام غضبه سكتت وتقبلت الهوان على نفسها إلى أن علمت بمسألة حملها شعرت آنذاك بأن هناك بارقة من الأمل ستكون لها عائلة وإن كانت مكونة منهما فقط. لكن ربة المنزل وصاحبته اللئيمة رفضت إكمال هذا الأمر بشدة وسعت لإجهاضها والتخلص من البذرة القابعة في رحمها تارة بالضړب المپرح وتارة أخرى بالأدوية المسببة لإسقاطها إلا أن جنينها أظهر تشبثه أكثر بالحياة فتخلت توحيدة عن مسألة حرمانها منه وقتها ظنت وزة أن قلبها رق إليها وستمنحها ما تطمح فقط لامتلاكه لكن تحطمت أبسط أحلامها على صخرة الواقع القاسېة حينما اختطفته منها لتأخذه إلى المجهول. لم ينضب دمعها ولم تكف عن النواح والاستجداء بل إنها تحينت كل فرصة تجدها فيها رائقة المزاج لتسألها عن مصيره ورغم أن جوابها كان متكررا بأن تنساه إلا أنها لم تفقد الأمل فقد توهمت أنها أودعته كأمانة عند أحدهم كنوع من العقاپ لها لمخالفتها أوامرها. هذه المرة انتظرت انتهائها من تمضية وقتها الخاص مع عباس لتتسلل إلى مخدعها كان الأخير في الحمام الملحق بالغرفة يغتسل وتوحيدة تتمدد باسترخاء على سريرها ولجت وزة إلى الداخل دون استئذان مقتحمة عليها خصوصيتها المزعومة ثم أحنت رأسها في ذل وتوسلتها بصوتها الباكي بالله عليكي يا أبلتي تخليني أشوف ابني. انتفضت لرؤيتها بداخل غرفتها في وقاحة فجة منها وصاحت بها وهي تعتدل في رقدتها إنتي اټجننتي داخلة عليا أوضتي من غير إحم ولا دستور اعتذرت منها في التو حقك عليا بس نفسي تريحيني. انقلبت سحنتها للغاية من تسببها في تكديره ولو بشكل بسيط راحت توحيدة تلكزها في كتفها لتدفعها نحو باب الغرفة وهي تعنفها بغيظ عاجبك كده قلبتي مزاج المعلم... بقدر استطاعتها حاولت مقاومة طردها لها وهي ترجوها علشان خاطري بس أطمن عليه. صرت على أسنانها في حنق وزعقت فيها بغل وقد شحذت كامل قواها لطردها خارج الغرفة قولتلك هو ماټ ماټ إيه ما بتفهميش! انكفأت وزة على وجهها من إثر الدفعة العڼيفة فوقفت بجوارها تصيح في صوت غاضب يا خضرة! إنتي يا ولية تعالي خدي الهبابة دي من هنا. بخطوات راكضة أتت إليها في الحال وردت وهي تنحني عليها لتشدها من ذراعها وتبعدها عن محيط ناظريها حاضر يا أبلتي. انخرطت الأخيرة في بكاء شديد وحاولت استجدائها من جديد لكنها صفقت الباب في وجهها لتطلب منها خضرة في قليل من التعاطف يالا يا وزة كفاية كده بدل ما تسلط عليكي اللي ما بيرحمش. بثقل نهضت من موضعها وهي لا تتوقف عن البكاء المرير فما زال الأمل يحدوها بأنها ستكون على لقاء قريب برضيعها. بداخل غرفة مكتب مديره الفخمة ذات الحوائط الزجاجية اللامعة حيث تغطي الستائر البلاستيكية معظمها تلك التي يحلم بالجلوس على مقعد رئاستها وتعليق لافتة تحمل اسمه بالخارج والداخل وقف راغب أمام رئيسه يحني رأسه مبديا احترامه له خاصة والأخير يخاطبه في نبرة جمعت ما بين الجدية والاهتمام إنت عارف إنك من المفضلين عندي يا راغب. ابتسم مجاملا وهو يرد أكيد يا فندم. تابع رئيسه المباشر كلامه إليه بنفس الدرجة من الشفافية والوضوح وأنا بجهزك علشان تمسك فرع البنك في العاصمة. بلا خجل أفصح عن رغبته يا ريت ده يحصل أنا بحلم باليوم ده من زمان. بدا معجبا بما وصفه بحماس الشباب وراح يؤكد عليه عايزك الفترة الجاية تستعد كويس وتكون على أد المسئولية الجديدة دي. هز رأسه في طاعة حينما عقب اطمن وإن شاءالله هكون عند حسن ظن سيادتك. أشار له ليغادر مكتبه هاتفا في نبرة رسمية تقدر تشوف شغلك. ظل محافظا على ابتسامته المصطنعة وهو يخاطبه قبل أن يستدير متجها نحو الباب تمام يا فندم عن إذنك. ما إن خرج حتى لفظ تنهيدة عميقة محملة بالآمال والأحلام ليحادث نفسه مرددا يا سلام لو ده حصل هبقى في حتة تانية خالص. ............................................... الصخب غير المفهوم الذي كان يحيط بها جعل مداركها تتيقظ ببطء فبدأت في الاستفاقة من حالة الإغماء التي فرضت عليها لتشعر بشيء غريب نهضت امرأة ما من على فراشها المحشور في الزاوية لتقول بفم ملتو ده علشان ياختي كشف الهيئة. لم تفهم مقصدها بالضبط لكن دبيب قلبها ارتفع بشدة حتى كاد يصم أذنيها ابتلعت ريقها وسألتها نعم يعني إيه تجاهل الجميع الرد عليها وكأنهن اتفقن ضمنيا على مفاجأتها بما لا يمكن لخيالها المحدود أن يصوره لها. هتفت أخرى عاليا نادي على خضرة وقوليلها البت فاقت. عصفت ب مروة موجة من الڠضب الممزوج بالخۏف وراحت تصرخ في عصبية أنا عايزة أمشي من هنا وديتوا هدومي فين ادعت امرأة ثالثة الضحك لتقول وهي تتصعب بشفتيها يا ريتها كانت بالساهل مكانش حد غلب. في غمرة حديثهن المخيف لها جاءت خضرة ووقفت عند أعتاب الغرفة هاتفة في نبرة هازئة أخيرا فوقتي نوم العوافي يا ادلعدي. تذكرتها في الحال فتوسلت إليها مروة بعينين تحبسان الدموع فيهما من فضلك يا ست خضرة خليني أمشي من هنا وأرجع لأهلي. منحتها الأخيرة نظرة إشفاق واهية قبل أن تسخر منها أهلك يا حرام! لحظتها شعرت مروة بأن محاولتها لنيل تعاطفها باءت بالفشل ولن تترأف بها. استمرت خضرة على وتيرة سخريتها قائلة وهي تشير إلى عينها قطعتي في قلبي وأنا دمعتي قريبة! حجزت هاتفيا موعدا لدى الطبيب النسائي لتتجنب عدم بقائها ضمن المنتظرين باستقبال عيادته لوقت طويل خاصة مع شهرته الكبيرة وتزاحمها بالكثير من الطامحات في أن تصبحن أمهات المستقبل. جاءت على الموعد المحدد وناولت الممرضة نفحة زائدة لتضمن دخولها سريعا وحدث ما خططت له فالتقت به بعد خمس دقائق من قدومها وانتظرت على أحر من الجمر سماع نتائج التحاليل التي أجرتها في وقت سابق. تأهبت إيمان في جلستها ونظرت إليه بعينين مترقبتين فاستطرد الطبيب شارحا لها بوضوح زي ما قولتلك يا مدام في المرة اللي فاتت إنتي معندكيش مشكلة وجوزك معندوش مشكلة والتأخير في الحمل ده طبيعي. لم تبد مقتنعة كليا بما فاه به فتأخر الإنجاب يزيد من الفجوة التي تشعر بها في حياتها مع زوجها خاصة مع انشغاله الدائم بالعمل وبقائها بالساعات بمفردها دون أن تفعل ما تملأ به وقت فراغها الممل. انتصبت بكتفيها وسألته في شيء من الإلحاح طب ما فيش أدوية ولا أي حاجة محفزة تخليني أحمل!! نفى ببساطة إنتي مش محتاجة ده كله في الآخر بتاع ربنا سبحانه وتعالى. اعترضت على عزوفه عن مساعدتها بس أنا بقالي كتير متجوزة. جاء رده منطقيا في ناس بتقعد بالسنين ولما ربنا بيأذن بيحصل الحمل. امتلأ وجهها بتعبير مهموم وسألته كحل أخير طب هل في إمكانية أعمل حقن مجهري تطلع إليها قائلا وابتسامة خفيفة قد برزت على ثغره مافيش مشكلة اتشاوري مع جوزك وأنا جاهز. نهضت بعدها من على المقعد لتخاطبه في ودية شكرا يا دكتور. حرك رأسه باهتزازة مقتضبة وهو يرد العفو يا مدام. غادرت العيادة وعقلها قد شرد يفكر في كيفية طرح هذه المسألة الهامة وإقناع زوجها بسحب عينة منه لإتمام العملية. حررت زفرة ثقيلة عن صدرها لتهمهم مع نفسها في رجاء يا رب توافق على الحل ده يا راغب. وقفت بعدها على طرف الرصيف تنتظر قدوم سيارة أجرة شاغرة لتستقلها عائدة إلى منزلها وهي لا تزال مشغولة البال بهذا الأمر. ............................................. في الباحة الخلفية للسجن حيث يجتمع السجناء عادة لتمضية أوقات الراحة بها والتسامر معا وتحديدا عند أقدم شجرة بهذا المكان تظلل الهجام أسفلها وأتباعه من حوله يحيطون به ليبدأ في إملاء أوامره الصارمة عليهم ونظرة لا تعرف الرأفة تطل من حدقتيه عينكم ما تتشالش عن زهير تلازموه طول الوقت والأهم إنه ما يخدش باله. رد عليه أحد رجاله مؤكدا اطمن يا كوبارتنا هو تحت الحماية. تابع موضحا سبب شموله برعايته الشديدة أنا عارف إنه خارج قريب من هنا بس هو لسه على قديمه مش زي ما أنا عايزه بيحسبها مليون مرة قبل ما ياخد خطوة... بدت نبرته عميقة للغاية وهو يتم جملته وفي دنيتنا ما بيعملوش حساب إلا للي قلبه مېت من زمان! مجددا أخبره تابعه المخلص احنا في ضهره مش هنسيب حاجة تمسه. شدد مرة ثانية على اتباع أوامره بحذافيرها مشيرا بسبابته المهم هو ما يحسش بحاجة. رد عليه في طاعة أوامرك يا كبير الهجامة. أشعل بعدها سيجارته ليلتفت ناظرا إلى جانبه حيث لاحظ اقتراب أحد الضباط منه ومن ورائه أفراد قوة الشرطة وصل صوته إليه مناديا يالا يا كرم هتترحل من هنا علشان نخلص إجراءات خروجك. ألقى بسيجارته قبل أن ينتهي منها أرضا ودعس عليها بقدمه مرددا ماشي يا باشا. هلل أحد رجاله من الخلف ملوحا بيديه في الهواء عندما هم بالانصراف هتوحشنا يا كوبارتنا. لم ينظر تجاهه وقال مبتسما من زاوية فمه وفي شيء من السخرية إنتو لأ. على نفس المصطبة المتهالكة جلس كلاهما في استرخاء أحدهما يشعل الفحم في القصعة والآخر يعيد ربط المبسم في النارجيلة بعد تسليك مجراه من الشوائب. استطرد شيكاغو متحدثا وهو يحرك مروحة ورقية فوق الجمرات المتقدة عصفورة جه يبلغنا إن كبير الهجامة طالع. رد عليه حمص وقد أمسك بالملقط لينتقي أكثرهم سخونة ليضعها في موضعها على موقد النارجيلة لازم الكل يكون في شرف استقباله. وافقه الرأي مومئا برأسه مظبوط. بدأ شيكاغو في سحب أنفاسا متتالية منها ليختبر مدى جودتها بعدما ناوله رفيقه المبسم حرر الدخان في الهواء وسأله في مكر أومال إيه حوارك مع سنجة أجابه بغموض مصلحة واتقضت. أتى سؤاله التالي مباشرا وعباس عنده علم بيها لوى ثغره مرددا وهو يأخذ منه المبسم لېدخن لأ والأفضل ما يعرفش إنت عارفه ياكل مال النبي. لحظتها سأله شيكاغو في تبرم ونصيبي فين أجابه بامتعاض هو إنت كنت فايق أصلا ثم أخرج من جيبه قطعة شبه مربعة ملفوفة في ورق مفضض وضعها ڼصب عينيه قائلا بابتسامة عابثة بس ما تقلقش أنا جبتلنا حتة حكاية للدماغ المتكلفة. في التو اختطفها منه شيكاغو وتأملها بلعاب مسال ليردد بعدها في حبور أهو ده الكلام. ثم ضحكت بشكل رقيع ومفتعل لتضيف دي هبلة. رد عليها بوجوم ونظرة مخيفة تنبعث من حدقتيه والهبلة تتعلم. لم تظل مروة على جمودها كثيرا أولته ظهرها وهمت بالمغادرة لكنها تفاجأت به ينقض عليها ليمسك بها من كومة من شعرها صړخت من شدة جذبه في ألم آه شعري. أرجع رأسها للخلف وهمس بالقرب من أذنها في نبرة ټهديد صريحة عايزة تطلعي من هنا وجب... ................................ مستعينا بإحدى وسائل النقل الصغيرة استخدم فهيم مركبة التوكتوك لنقل ما قام بتخزينه من متعلقات شخصية تخص عائلته في مخزن أحد رفاقه لوضعها في بيته الجديد كانت الوسيلة الوحيدة المتاحة للتمكن من الدخول والتحرك بيسر عبر الأزقة والشوارع الضيقة. تذمر العمال من صعودهم مرارا وتكرارا لعدة مرات حتى انتهوا كليا من نقل كافة الأشياء مما دفع فهيم لإعطائهم المال الإضافي كنوع من الترضية لهم. وجدت دليلة نفسها مضطرة لتوضيب كل شيء بجانب محاولتها للاستذكار فمن الصعب على والدتها إنجاز هذه الأمور بمفردها. اشتكت من استنفاذ طاقتها في رص أدوات الطهي في الدواليب بالمطبخ خاصة حينما طلبت منها أمها التوجه إلى غرفة النوم لطي الثياب ووضعها على الرفوف بالدولاب. قبل أن توشك على أداء مهمتها التالية قرع جرس الباب فأمرتها عيشة من الداخل روحي شوفي مين جه. هتفت في تبرم وهي تسير تجاهه طيب حاضر. ثم أمسكت بالمقبض وأدارته تطلعت دليلة إلى الضيفة الغريبة التي وقفت عند أعتاب الباب بنظرة حائرة فقد كانت ممتلئة الجسد متوسطة الطول وترتدي قميصا منزليا يبدو فضفاضا في حالته العادية للم تبتسم لها وهي تسألها مستفهمة أيوه مين حضرتك رفعت المرأة يدها الأخرى الخالية لتضعها أمام فمها ثم أطلقت زغرودة عالية دون أي مقدمات لتهلل في ابتهاج يا مرحب بالسكان الجداد أنا جارتكم إعتدال. في البداية انتفضت بشكل لا إرادي مذهولة من تصرفها لتدارك الأمر قائلة بابتسامة مقتضبة أهلا وسهلا لحظة أنادي ماما. لم ترفع إعتدال عينيها عنها رغم ترك دليلة لها عند الباب لتسرع في خطاها نحو الداخل بل إنها اقټحمت الصالة دون استئذان لتتأملها بنظرات مبهورة وهي تطوف بعينيها على كل ركن فيها. زمت شفتيها هاتفة في استحسان إيش إيش على الحلاوة. تحسست ظهر الأريكة المذهبة بيدها وتابعت حديثها إلى نفسها الواد كيشو مكدبش أما قال إنه قلب الخړابة دي قصر. مين يا دليلة تساءلت والدتها بهذه العبارة وهي تنهض عن سجادة الصلاة بحذر لتجد ابنتها تخبرها في صوت خاڤت وهي تشير بيدها نحو الخارج واحدة بتقول إنها جارتنا. انحنت عيشة لتلتقط السجادة من على الأرضية طوتها على عجالة وأمرتها وهي تشير نحو ضلفة الدولاب المفتوحة طب خليكي جوا وكملي رص الهدوم. اكتفت بهز رأسها لتسير بعدها والدتها متجهة إلى الصالة دون أن تبدل إسدال الصلاة حيث تنتظرها الضيفة الغريبة. وضعت على وجهها ابتسامة مهذبة واستطردت تحييها السلام عليكم في أريحية زائدة ردت عليها وعليكم السلام يا حبيبتي أنا جارتكم إعتدال ساكنة في الأول. مدت عيشة يدها لمصافحتها لكنها تفاجأت بها تجذبها ناحيتها لتنهال عليها بعشرات القبلات على وجنتيها كنوع من الترحيب الحار. بالكاد تمكنت من التملص منها وقالت مجاملة وهي تجاهد للحفاظ على ابتسامتها الودية أهلا بيكي شرفتينا اتفضلي. جلست إعتدال على الأريكة وتساءلت في اهتمام ما اتشرفتش باسمك. أجابتها الأخيرة باقتضاب أنا عيشة. انتقلت لسؤالها الفضولي التالي واللي البنوتة الحلوة اللي فتحتلي تبقى مين بعد زفرة سريعة أخبرتها دي بنتي دليلة. هتفت مجاملة عاشت الأسامي... ثم أضافت في ألفة عجيبة وكأنها على سابق معرفة بعائلتها أنا قولت أشأر عليكم وأشوف إن كنتم محتاجين حاجة. قالت في امتنان كتر خيرك. مدت بعدها يدها بالصحن الذي أحضرته معها واستطردت في إصرار اتفضلي يا عيشة ياختي حاجة كده تفتح نفسكم عمايل إيديا وحياة عينيا. شكرتها على هديتها في تهذيب مالوش لازمة تعبك كفاية زيارتك الطيبة. تصنعت الضحك وهتفت في صوت شبه صاخب ولا تعب ولا حاجة ده إنتي ما تعرفنيش... لم تعقب عيشة بكلمة فاستمرت ضيفتها في الاسترسال عن مدى تفوق مهاراتها في طهي الطعام وربنا مافيش حد في الحتة دي يعرف يعمل محشي زيي. كنوع من المجاملة ردت ما هو باين من الريحة الحلوة. عادت إعتدال لفضولها المتطفل وتساءلت في صوت جاد على كده معندكيش إلا المحروسة دي اضطرت على مضض للإجابة عليها لأ في بنتي الكبيرة إيمان وهي متجوزة وأعدة في بيتها. ابتهجت أساريرها مرددة يا صلاة النبي. ردت بتلقائية عليه الصلاة والسلام. بنفس النهج الذي تتبعه لاحقتها إعتدال بسؤالها التالي والحلوة دي متجوزة ولا في حد متكلم عليها الوداعة التي كانت على وجهها اختفت بالتدريج لتبدو قسماتها جادة إلى حد ما وهي تخبرها دليلة لسه بتدرس واحنا مش بنفكر في الكلام ده دلوقت أبوها مستني أما تخلص دراسة. مصمصت جارتها شفتيها مرددة وماله في النهاية الواحدة مالهاش إلا بيت جوزها وراجل تخدمه وتشوف طلباته. لم تكن عيشة راضية عن محدودية تفكيرها في هذا الشأن ومع هذا لم تجادلها واكتفت بالحفاظ على صمتها وهدوئها لتتفاجأ بها تعرض عليها بتصميم وبعدين ماتقلقيش لو مجالهاش عدلها أنا سدادة عندي بدل العريس عشرة أنا مجوزة نص بنات الحتة. بلا ابتسام ردت متشكرين. وقبل أن تستمر في وصلتها التحقيقية التي جاءت من أجلها نهضت عيشة من على الأريكة هاتفة أنا مش عايزة أعطلك معايا وزي ما إنتي شايفة البيت مكركب والحاج زمانه راجع فلازم أروقه. بتثاقل وكسل نهضت هي الأخرى قائلة أه وماله أنا جاية أصلا زيارة على الواقف أتعرف بيكم... إلى حد ما انقلبت سحنة عيشة عندما أتمت جارتها السمجة جملتها وبعد كده هتلاقيني ليل نهار عندك احنا كلنا هنا في الحتة زي العيلة الواحدة. حرصت على ألا تعقب بشيء فاتخاذ موقف صارم مع هذه النوعية من الشخصيات الفضولية قد يأتي بنتائج عكسية خاصة في منطقة شعبية كتلك. ظلت على وديتها المصطنعة وأشارت لها لتصحبها تجاه الباب وإعتدال لا تزال تكلمها لو عوزتي حاجة نادي عليا من السلم أنا باب بيتي مفتوح ليل نهار. هزت رأسها كأنما توضح لها دون كلام أنها تصغي لها لتضيف الأخيرة في جدية ماهو مافيش حد غريب بيدخل حتتنا دي احنا مقفول علينا. أوجزت في التعليق عليها واضح. بصبر أوشك على الانتهاء تساءلت دليلة بعدما خرجت من الغرفة في ضيق وتذمر مين الست الحشرية دي قبل أن تجيبها انتبهت كلتاهما لهذا الصړاخ المخيف الذي صدح فجأة في المكان وكأن إحداهن قد فقدت عزيزا لديها فراحت تنعي ۏفاته بطريقتها. من تلقاء نفسها استطردت دليلة وهي تتجه نحو الشرفة في صويت جامد في الشارع. تبعتها أمها قائلة بشيء من الفضول الحائر خلينا نشوف في إيه كلص يتم مطاردته ومعاقبته من قبل الجميع جرت جرا إلى خارج مدخل العمارة وهي بالكاد تحاول تغطية ما برز منها بيد وباليد الأخرى تقاوم سحب هذا الرجل العتيد لها بينما احتشد أهالي المنطقة في المساحة الضيقة الفاصلة بين العمائر والأبنية القديمة ليشهدوا بأم أعينهم على ما يجري الآن بما يسمى بڤضيحة علنية بطلتها شابة مجهولة الهوية ممسك بها الذراع الأيمن لمن يفرض السطوة والقانون هنا كذلك امتلأت الشرفات بعشرات النساء والأطفال ممن شعروا بالأسف على هذه المسكينة التي وقعت في يد من لا يرحم. هدر عباس عاليا وذراعه مفرود على طوله في الهواء يا أهل الحتة تعالوا اشهدوا واتفرجوا... ضمن الحوز على انتباه الحشد الغفير له ثم بخشونة كبيرة دفع مروة للأمام ففقدت اتزانها وانكفأت على وجهها لتصرخ في حسرة وعجز وهي تحاول مواراة ما بدا منها بيديها حرام عليك. أشار ناحيتها بإصبعه ملقيا باتهاماته المجحفة عليها المحروسة بنت الأصول هربانة من بيتها ومش عاجبها إن الست توحيدة سترتها عندها ومسألتهاش عن اللي كانت بتعمله.. ارتفعت صيحات الاستهجان وسرت بين الجموع المشاهدة وقالت تخليها تشتغل في خدمة البيوت إكمنها شغلانة بالحلال. لم تكن لها أي مطالب سوى الخروج من هذا المستنقع قبل أن تطأه لكن عاصفة الظلم هبت وجرفتها معها راحت مروة تصرخ مدافعة عن نفسها والله العظيم ده كداب أنا شريفة ومعملتش حاجة غلط. ظل الجميع يتابعون في صمت وجل ما تتعرض له وعباس يزيد في اضطهاده لها شايفين هو ده اللبس اللي جاية بيه دنا منها حتى وقف أمامها نظر إليها من علياه وقال بشبح ابتسامة مخيفة وأنا لو مكان أهلك كنت صفيت دمك. للغرابة تدخلت توحيدة بعدما خرجت من المدخل وفي يدها ملاءة شبه بالية ألقتها على هذه المغلوبة على أمرها وتوسلته في سمة من التعاطف الزائف خلاص يا معلم عباس ربنا أمر بالستر. حتى وإن كانت ما ألقته خرقة بالية لأخذتها حتى تتوارى بداخلها فما اختبرته الآن يفوق قدرتها على الاحتمال. ربتت توحيدة على كتفه قائلة احنا مش ملايكة بس ربنا غفور رحيم. منحها نظرة ذات مغزى فبادلته أخرى ممتنة لكونه ببساطة قد نجح في إتقان الدور وإخضاع من تفكر في عصيانها تكلمت بعدها آمرة تابعتها اللصيقة بها خديها يا خضرة فوق. في التو امتثلت لأمرها واتجهت ناحيتها قائلة حاضر يا أبلتي. عاونتها على النهوض ولفت من حولها الملاءة لتهمس في أذنها پشماتة مش قولتلك قبل سابق دخول الحمام مش زي خروجه. طأطأت مروة رأسها في خزي وانساقت هذه المرة بطواعية منها عائدة إلى الداخل ليهدر عباس في صوت مرتفع وهو يصفق بيديه المولد اتفض كل واحد يشوف سكة. مثلما اجتمعوا تفرقوا في ثوان معدودة لتظل توحيدة معه تنظر لها بافتنان وإعجاب قبل أن تمتدحه ويدها تمسح على صدره برفق طول عمرك راجلي وراجل الناس يا سي عباس. زجرها في خشونة اطلعي وراها يا ولية احنا في الشارع. ضحكت بشكل رقيع وعلقت وهي تتغندر في مشيتها أموت فيك وإنت حمش. لم تكن لتبالي للحظة واحدة بما جرى على مرأى ومسمع منها لو كان ما تشاهده مشهدا عابرا ضمن أحداث أحد تلك الأفلام الهابطة التي تعرض على التلفاز في السهرة لكن ما حدث للتو لا يصدق أبدا شعرت عيشة بالذعر والخۏف وخاصة على ابنتها النقية التي أرغمت على رؤية إذلال إحداهن وإلصاق العاړ بها لذنب لا تعلمه وربما لم ترتكبه من الأساس وذلك لأنها فقط تمردت على أمثال هؤلاء الأشداء القساة. انتشلها من تفكيرها المړتعب صوت دليلة المتسائل إيه الناس دي صاحت بها في تعصب استغربته مالناش دعوة بيهم حاجة ماتخصناش واقفلي الشباك ده خالص. اندهشت للغاية من عصبيتها التي استثيرت فجأة وهتفت بملامح حائرة أنا مش فاهمة حاجة. وكزتها أمها وأرجعتها للخلف لتقوم بغلق شباك الشرفة الكبير وهي تعقب بنفس اللهجة الصارمة مش مهم وملكيش دعوة بحد هنا... كادت تنطق بشيء محتج لولا أن أضافت والدتها لتعلمها بما قررته فجأة وأنا هشوف صرفة مع أبوكي وأخليكي تروحي عند أختك. انفرجت أساريرها ابتهاجا وقالت في سرور كبير وتنهيدة ارتياح تنطلق من رئتيها يا ريت والله. فهم بالتدريج أن ما يقدمه العامل له طوال النهار من حجج وأعذار سخيفة هي مجرد وسيلة لإلهائه ومماطلته ريثما يأتي صاحب الفرن ليتحدث شخصيا إليه فجاء الحاج درويش بالفعل وسحب كرسيه الخشبي وجلس مجاورا له ليخبره بأن المخبز الذي يتشارك فيه معه لا يحقق الربح الكافي وعلى وشك الإفلاس. نظر إليه فهيم مدهوشا وسأله باستنكار إيه الكلام ده إزاي الفرن ما بيكسبش حسبما تابع منذ وقت جلوسه المبكر فإن الزبائن يترددون عليه دون انقطاع وبأعداد معقولة فأفصح عما رآه بعفوية ده ما شاء الله الناس داخلة خارجة عليه. آنئذ خمس درويش بكف يده في وجهه هادرا بضيق وقد حل العبوس على كامل تقاسيمه الله أكبر إنت هتحسد مالي ولا إيه استهجن ردة فعله وسأله مالك واصل درويش هجومه اللفظي عليه دول كام ملطوش يدوب بجيب بيهم مصاريفه هتبص فيهم كمان غامت تعبيرات وجهه من أسلوبه الفظ وقال رغم هذا بهدوء طب هات الدفاتر أراجعها. اڼفجر فيه صائحا بغلظة إنت بتسرقني كمان في التو برر له مقصده لئلا يستمر في إساءة تفسيره حاشا لله أنا بس عايز أعرف الغلط فين. كانت كلماته قاسېة مهينة إلى حد كبير خاصة عندما خاطبه في استحقار وهو يوكزه في كتفه بقولك إيه يا عم فهيم روح شوف حالك وتبقى تيجي أول كل شهر تاخد اللي فيه النصيب. حفظا لماء وجهه علق بعدما نهض من على المقعد وهو يبتلع تلك الغصة المريرة العالقة في جوفه أنا مش بشحت منك أنا ليا لي في الفرن ده. قام الأخير بدوره وناطحه في تحد مستفز ده اللي عندي ولو مش عاجبك اشتكي. كور فهيم قبضة يده معقبا حقي هجيبه بس ما ترجعش تزعل يا .. حاج. جاء رده على هيئة ټهديد أخطر وأكثر بثا للړعب في قلبه إنت عندك بنات أحسنلك تخاف عليهم لأنك ما تعرفش أنا تبع مين وأقدر أعملك فيك إيه. لم يكن بالممازح معه نبرته ونظرته أكدت أنه قادر على سحقه ما لم يتراجع عن موقعه معه لكنه رغم هذا قبل بذلك النوع من التحدي غير المحمود العواقب ورد بإباء هنشوف !!!!!!!!! يتبع الفصل الجديد الفصل الثالث من بعيد بدت الهالة المحيطة به وكأنه شخصية مثقفة غير عدوانية راقية إلى حد ما تتحاور بالمنطق والعقل بسبب إنهائه لتعليمه الجامعي وحبه للمعرفة والعلم وما أكد على ذلك اهتمامه الدائم بالقراءة ومطالعة الكتب المختلفة الموجودة في المكتبة الملحقة بالسجن لكن في حقيقة الأمر كان هذا هو المكان الوحيد الذي اعتاد أن يجري فيه صفقاته السرية ويرتب لإدارة كافة الأمور الهامة دون إزعاج من الآخرين. جلس زهير بشيء من الشموخ على طاولته القريبة من النافذة يستمتع بتسلل أشعة الشمس عبر زجاجها المفتوح وفي يده هذا الكتاب شرد يتأمل الحديقة المتواضعة عبر القضبان المعدنية أما أمامه فاستقر أحد النزلاء يتطلع إليه بترقب فقد كان يخشى من احتمالية رفضه التدخل في حل معضلته العويصة وخصوصا وهو محتجز هنا وعاجز عن التصرف بأريحية مثلما كان بالخارج وفي يده زمام السلطة. ازدرد النزيل ريقه وسأله بحذر إنت مردتش عليا لسه دون أن يكلف نفسه عناء النظر ناحيته أخبره بعجرفة ما أنا ما شوفتش منك أمارة. زوى ما بين حاجبيه متسائلا قصدك إيه هذه المرة حملق فيه بنظرة قوية ثابتة قبل أن يخبره مباشرة حسابي يتحط فيه الفلوس هتلاقي كل مشاكلك اتحلت. امتعضت ملامح الأخير في استياء ولاحظ زهير ما انعكس على تعبيراته فأعلمه بلهجة صاحب القرار الأول والأوحد ويا ريت ما تضيعش وقتي تاني طالما مش جاهز لأن وقتي مش ببلاش. نهض من على مقعد معقبا في وجوم ماشي الكلام. قبل أن ينصرف النزيل حذره مبتسما في مكر وما تنساش إنت بتتعامل مع عيلة الهجام واحنا مش أي حد. حدق فيه وهز رأسه معلقا باقتضاب فعلا. غادر بعدها المكان ليعود زهير إلى مطالعة كتابه في هدوء وكأنه لم يقم بإجراء أي اتفاق من الأساس ربما يظنه البعض أنه على النقيض مع شقيقه الأكبر لكنه كان يحتكم إلى صوت العقل أولا قبل الاندفاع بتهور في تيسير شئونه مستفيدا بسنوات تعليمه الممتدة حتى انقضاء دراسته في كلية التجارة. في بعض الأحيان يطغى عليه الجانب الإنساني فيجعله يتردد وربما يتعاطف مع البعض ورغم هذا لم يعارض قرارات شقيقه حينما يصدرها إلا إذا تطلب الأمر تدخله للتصرف بروية كلاهما كانا يكملان بعضهما البعض بشكل مشوق وغريب. ظلت قبضتاها ممسكتان بطرفي الملاءة القديمة ترفض إزاحتها عنها وكأنها درعها الوحيد الذي يحجب عنها الأعين الشامتة فيها برغم كونها أصبحت بداخل هذا المنزل الملعۏن إلا أنها ما زالت تشعر بأنها مجردة مما يسترها. اصطحبتها خضرة إلى الغرفة التي استفاقت فيها قبل برهة وأجلستها على طرف الفراش لتواسيها في نبرة جمعت بين قدر محدود من التعاطف والمزيد من اللوم عيني عليكي يا حبيبتي قولتلك من الأول دخول الحمام مش زي خروجه. لم تجرؤ على رفع رأسها والنظر إلى من حولها فالجميع قد شهد على فضيحتها العلنية وعلى تدنيس سيرتها النقية بوقاحة فجة وكأنها حقا شابة سيئة السمعة فكيف لها أن تحظى بالاحترام من جديد أصغت مروة إليها وهي لا تزال تخاطبها في حماس يناقض ما يعتريها الآن من مشاعر ذليلة ومقهورة وبعدين يا حلوة إنتي متعانة للكبير وده يا بخته اللي تنول شرف الأعدة معاه. التشوش الذي استحوذ على عقلها بعد تجربتها الأليمة والصاډمة جعلها عاجزة بقدر كبير عن تفسير ما ترمي إليه من عبارات ورغم هذا لم تنطق بشيء أو تستعلم عن مقصدها ظلت صامتة تبكي بحړقة والرجاء يحدوها أن يكون ما تعايشه مجرد كابوس لحظي ستستفيق منه في أي وقت. أضافت خضرة وهي تلكزها في كتفها بخشونة طفيفة واحدة غيرك كان المفروض تبوس إيدها وش وضهر إنها جت مع الست توحيدة وهي بتقدر اللي معاها. افتعلت الضحك فبدت ضحكاتها مزيفة وسخيفة قبل أن تقول بكرة تدوقي الشهد وتودعي الفقر. من بعيد راقبت وزة ما تعرضت له هذه المسكينة من ظلم واضطهاد فشعرت بالأسف عليها وانتظرت ابتعاد هذه اللئيمة عنها لتحضر بعض الثياب لها لتدنو منها قائلة في صوت خفيض ونظرة حذرة تطوف في أرجاء الغرفة ما تسمعيش كلامها... انتبهت لها مروة وتطلعت إليها من خلف سحابة الدموع التي تحتل حدقتيها لتجدها مستمرة في حديثها الخاڤت لو جتلك فرصة تهربي من هنا اعملي كده وانفدي بجلدك. لم تتوقف عن البكاء ووزة تواصل إفراغ ما في جعبتها من مشاعر ناقمة ساخطة دول أبالسة مايعرفوش ربنا. لاحظت خضرة وجودها بالقرب من كنزهما الثمين فاتجهت إليها بخطوات سريعة تسألها في تحفز بتزني في ودانها بإيه يا بت في التو عمدت إلى تغيير الموضوع بسؤالها المتذلل مش هتكلميلي الست توحيدة عن ابني بجمود واضح أخبرتها وهي تدفعها بيدها للخلف حوارك ما يخصنيش. توسلت إليها في إلحاح ده أنا حبيبتك ساعديني الله يكرمك. زمت شفتيها متمتمة في تجهم وأنا ماليش حبايب ويالا ابعدي عنها وشوفي وراكي إيه. اضطرت وزة للانصياع لها وتراجعت مبتعدة عن مروة لتسمع خضرة وهي تدمدم نسوان فاضية. رغما عنها كبتت وزة مشاعرها الأمومية في صدرها وراحت تردد بين جنبات نفسها في رجاء مسيري أعرف طريقك يا ضنايا وأرجعك لحضني. بقي على وجومه وشروده بعدما غادر محيط المخبز فقد كان يعتمد على الربح القادم منه لادخاره من أجل الانتقال لمنطقة سكنية أفضل لكن حديث درويش هدم كافة آماله بل وجعله عرضة للتشاحن معه وتصعيد الأمور لشيء خطېر. انتشله من سرحانه رنين هاتفه المحمول. انقبض قلب فهيم عندما وجد زوجته تتصل به لا إراديا ظن أن ذلك البغيض نفذ تهديده ومكروها قد وقع لإحدى ابنتيه فأجاب على الاتصال في جزع خير يا عيشة في حاجة حصلت اندهشت من اللهفة التي كان عليها وهو يسألها ومع ذلك تغاضت عن سؤاله لتعلمه أنا هاخد دليلة ونروح لبنتك إيمان شوية. ما زال زوجها على خوفه فتساءل بنفس النبرة المتوجسة وكامل وجهه يعكس قلقا متعاظما هي كويسة حصلها حاجة ما تتكلمي. استغربت أكثر من طريقته المريبة في السؤال عن أحوالها وأكدت له هي بخير والله... تنفس الصعداء وأصغى إليها بقدر من التركيز وهي تخبره بس إنت عارف صعب تيجلنا هنا وأنا عاوزة أشوفها وأقعد معها شوية. وافق على طلبها مبديا شرطه الإلزامي ماشي روحي بس ما تطوليش. أطاعته بلا جدال طيب. أنهى معها المكالمة ليعيد وضع هاتفه داخل جيب بنطاله القماشي وتابع سيره المهموم ليلتقي مصادفة مع كيشو الذي هلل مناديا باسمه وهو يلوح بيده في الهواء عم فهيم. وكأن في رؤيته نجدة من السماء فأقبل عليه هاتفا في صوت عبر عن مدى احتياجه إليه كيشو ابن حلال أنا عايزك في حاجة مهمة. لم يرفض مطلبه ودعاه للجلوس معه قائلا طب تعالى نتكلم على القهوة. هز برأسه موافقا ماشي. اتجه الاثنان إلى المقهى القريب لينادي كيشو على الصبي الذي يعمل هناك ليعد لهما كوبان من الشاي حتى يصغي بتركيز إلى ما يريده منه. بعبارات بسيطة ومفهومة راح يسرد ما تعرض له من عملية يمكن وصفها بالاحتيال لنهب حقه الشرعي ولم يقاطعه كيشو طوال حديثه إلى أن فرغ تماما حينها لوى ثغره بعبوس وفرك طرف ذقنه بيده مرددا في امتعاض حوارك ده في مشاكل وناس هتزعل من بعض. تعبيرات وجهه أوحت بمدى تعقيد الأمور وتيقن فهيم أكثر من صدق حدسه حينما أعطاه تلميحا بدا غامضا إلى حد ما وخصوصا إن الحاج درويش تبع جماعة العترة. حدق فيه متسائلا مش فاهم مين ده كمان شرح له ببساطة الدنيا نواحينا متقسمة زي مناطق وكل منطقة ليها كبير واحنا كبيرنا الهجام وهو مش أد كده مع العترة إكمنه عمل كام دقة نقص معاه. انقبض قلبه في توجس وسأله طب والعمل إيه نفخ بصوت مسموع قبل أن يقترح عليه بص احنا نحاول نشوف واسطة خير يحللنا الحكاية جايز تخلص من غير مشاكل. في التو أكد له فهيم مشيرا بيده وأنا والله ما عايز مشاكل من الأساس بس ده حقي وصعبان عليا يروح مني كده ومابقاش قادر أخده. تعاطف معه وعقب بجدية سيبلي الحوار وأنا هتصرفلك فيه. بدا ممتنا لمبادرته بالمساعدة وأخبره ربنا ييسرلك الأمور وأنا مش هنساك طبعا. في شيء من المجاملة رد تعيش يا عم فهيم. ثم فرقع بإصبعيه ليستدعي صبي المقهى من جديد ليميل الأخير عليه ويهمس في أذنه ببعض العبارات غير المسموعة في التو تغيرت تعبيرات وجه الصبي ومع ذلك قال في طاعة ماشي يا كيشو هبلغه. عرجت على أحد محال بيع الحلويات الشرقية الشهيرة وابتاعت لابنتها منه ما لذ وطاب وخاصة ما تشتهيه لنفسها قبل أن تصعد إلى منزلها القريب منه لتقوم بزيارتها دون أن تهاتفها مسبقا لتعلمها بقدومها لكنها كانت مضطرة لفعل ذلك لتفاتحها في المسألة الهامة التي جاءت خصيصا من أجلها. فرحت إيمان لرؤيتها مع شقيقتها واستقبلتهما بحفاوة وترحاب ونظرت إلى العلب الكرتونية المغلفة بالأشرطة وعاتبت والدتها في رقة مكانش ليه لازمة تكلفي نفسك يا ماما خير ربنا موجود وراغب مش مقصر معايا. ابتسمت قائلة بودية ما إنتي عارفة أبوكي موصيني. بادلتها الابتسام وقالت في حبور ربنا يخليكم ليا يا رب. ثم التفتت ناظرة إلى دليلة التي كانت تتمدد باسترخاء على الأريكة المريحة وهي تعبث بهاتفها المحمول لتسألها باهتمام عاملة إيه يا دوللي مبسوطة رفعت عيناها عن شاشته المضيئة وعلقت بضجر بتتريقي اكتفت بالتبسم لها فتابعت دليلة في سخط مش هتكلم بس احنا في حتة بيئة أوي مش هاقولك على الحكايات اللي بتحصل فيها دي ولا الأفلام. تطرقها للحديث عن هذا الأمر تحديدا مهد لها الكثير فاستغلت عيشة الفرصة لتصرف ابنتها الصغرى فأمرتها خشي اغسلي الأطباق لأختك بدل ما إنتي أعدة كده. في التو أظهرت تبرمها مرددة بضيق هو شغل هنا وشغل هناك! شددت عليها أمها بلهجتها الآمرة يالا اتلحلحي. على مضض نهضت من موضع جلوسها وسارت تجاه المطبخ لتؤدي مهمة غسل الصحون وتنظيفها ما إن اختفت عن ناظريها حتى انتقلت عيشة بجوار ابنتها لتهمس بخفوت جاد للغاية إيمان عايزاكي في كلمتين استغربت من تبدل حالها وسألتها بقلب وجل خير يا ماما ازدردت ريقها وتابعت مباشرة ينفع تخلي دليلة تقعد معاكي هنا المكان اللي احنا فيه صعب أوي وأنا خاېفة عليها من العالم الواغش اللي عايشين فيه. استطال وجهها لحظيا فقد استشعرت الحرج من مطلبها رغم أهميته خاصة مع انزعاج زوجها مؤخرا من انتقال العائلة لهذه المنطقة المتدنية في كل شيء ومع هذا أخبرتها بتردد محسوس في نبرتها مش عارفة راغب رأيه هيكون إيه لو لم تكن مضطرة إلى هذا لما لجأت إلى مساعدتها في شيء من الإلحاح طلبت منها حاولي تقنعيه ده وضع مؤقت وأنا هزن على أبوكي ليل نهار لحد ما ننقل من المنطقة دي. بهتت ملامحها نوعا ما وراحت تقول بحيادية رافضة إعطائها الرد النهائي على هذه المسألة الشائكة مقدرش أوعدك يا ماما بس هعمل اللي عليا. استدارت الاثنتان بوجهيهما نحو باب المنزل عندما سمعتا صوت المفتاح يدار في قفله تأهبت عيشة في جلستها ووضعت ابتسامة وقورة على محياها عندما رأت زوج ابنتها يلج من الباب على عكسها وجمت ملامح الأخير حينما وجدها جالسة بالصالة وردد في نبرة مستنكرة وكأن وجودها غير مرحب به حماتي! نهضت لتحييه قائلة في نبرة أليفة إزيك يا راغب يا ابني عاملها بجفاء صريح كويس. قبل أن تنبس زوجته بكلمة تفاجأت به يأمرها في نبرة صارمة تعالي يا إيمان عايزك لحظة. ارتعدت أوصالها من طريقته الجافة واستطردت في طاعة حاضر. خرجت دليلة من المطبخ حينما سمعت صوته وراحت ترحب بعودته في عفوية حمد لله على السلامة يا راغب. نظر إليها من طرف عينه ولم يرد وانصرف بعصبية نحو الردهة فتطلعت إلى والدتها بحرج فما كان من الأخيرة إلا أن قالت بتفهم مخاطبة شقيقتها الكبرى روحي يا إيمان شوفي طلبات جوزك. لم تكن عيشة صغيرة في السن أو حتى محدودة التفكير لتدرك من طريقته المتغطرسة في التعامل معهما أنه غير راض عن هذه الزيارة المفاجئة وتمنت أن تخيب ظنونها بشأنه ويكون انزعاجه عائدا لضغوطات العمل وليس لرؤيتهما هنا. قدمت ساقا وأخرت الأخرى وهي تتبعه في خطواته السريعة المنفعلة إلى داخل غرفة نومهما أغلقت الباب ورائهما لئلا تستمع الضيفتان إلى مشادتهما الدائرة والتفتت ناظرة إليه في توجس خائڤ لتجده يصيح في ڠضب جم وبصوت يكاد يخترق الجدران إنتي ما قولتيش يعني إن أمك جاية اقتربت منه ورجته في نبرة خاڤتة من فضلك وطي صوتك. تعمد أن يكون صوته مسموعا وإلا لما أشعر ضيفتيه بنبذه لهما لذا هتف بتهكم مستاء يعني ده اللي همك ضاقت نظراتها المستعتبة ناحيته فتابع لومها بتشنج وهو ينزع عنه سترته ليلقيها أرضا وطبعا إنتي مظبطة معاها على اعتبار إني مش موجود في البيت. على الفور دافعت عن اتهامه لها وهي تنحني لتأخذها والله هي اللي جت من نفسها حتى ما اتصلتش. وجه إصبعه إليها مستأنفا كلامه في سخط دلوقت أنا عاوز أخد راحتي في بيتي وطبعا هي وأختك ما هيصدقوا يطبوا علينا كل شوية. ردت عليه في عجز طب أعمل إيه يا راغب أقوم أطردهم حل رابطة عنقه وأخذ يفك أزرار قميصه ويشمر عن كميه وهو يخاطبها معرفش اتصرفي. وقفت أمامه قليلة الحيلة فواصل الكلام بعصبية ده بيتي وأنا من حقي أرتاح فيه مش ألاقي ناس غرب أعدين ومبرشطين فيه. وصفه كان دنيئا فوبخته بحذر بس دول أهلي مش حد غريب عيب الكلام ده. قال بعنجهية وتسلط ماليش فيه. بالخارج استمعت عيشة إلى المشاجرة المحتدمة بين الزوجين فصوته الحانق كان يصلها بوضوح رغم الأبواب الموصدة وكذلك ابنتها فشعرت كلتاهما بالحرج الشديد من فظاظته. آنئذ اضطربت أفكار عيشة فإن كان يبدو مزعوجا للغاية لمجرد القيام بزيارة عابرة فماذا إن اقترحت عليه ابنتها ما جاءت حقا من أجله أفاقت من استغراقها في تفكيرها العميق على صوت دليلة وهي تهمس لها ماما واضح إن في خناقة بين إيمان وجوزها الظاهر إنه مش مبسوط من جيتنا. قالت بلا ابتسام استني لما أختك تيجي نسلم عليها ونمشي. هزت رأسها مرددة طيب. بعد عدة دقائق خرجت إيمان من الداخل وهي تلصق بوجهها ابتسامة متكلفة وزائفة جلست بجوار والدتها قائلة منوراني يا ماما. تفاجأت بها تنهض من على الأريكة لترد في جمود مريب تسلمي يا حبيبتي يدوب نمشي. قامت بدورها وتعلقت بذراعها هاتفة ما لسه بدري! بنفس الأسلوب الجامد أخبرتها علشان نلحق أبوكي. أحست من طريقتها بوجود خطب ما فسألتها في حرج إنتي سمعتي راغب لم تنبس أمها بكلمة ففطنت إلى ما حدث وراحت تبرر لها أوعي تكوني زعلتي منه هو ما يقصدش بس هو لما بيرجع من الشغل بيكون مضايق ومتعصب من الضغط طول اليوم وبيكون على آخره. ظلت على تعبيراتها الجامدة وهي تخبرها سبيه على راحته... ثم انحنت عليها لتقبلها من وجنتيها قائلة في صوت خاڤت خدي بالك من نفسك ومافيش داعي تحكي معاه في اللي طلبته منك شعرت إيمان بالاستياء لتسببها في إحزان والدتها وشقيقتها فحاولت الاعتذار منها وهي تمسك بذراعها يا ماما استني بس أنا أسفة والله. استلت يدها منها وانصرفت سائرة تجاه الباب لتتجه بعدها بناظريها إلى شقيقتها تطلب منها كلميها يا دليلة وخليها متزعلش مني. أومأت برأسها قائلة باقتضاب حاضر. لحقت بوالدتها التي خرجت من المنزل على عجل وهي تجرجر أذيال الخيبة لتغلق ابنتها الكبرى الباب بعد ذهابهما. استندت بكفها على الإطار الخشبي ونكست رأسها في خزي لتهسهس مع نفسها في ضيق والحزن يعتصر قلبها ليه بس كده يا راغب كانت في غمرة الحديث عن مآثره وقدرته الفائقة في ضبط المتمردين عن سلطانه ليشعر بالرضا والانتشاء عن حاله وبالتالي يغدق عليها بالمشاعر الفياضة فيسعد كلاهما وينالا مبتغاهما كل على طريقته الخاصة لذا ظهرت علامات الڠضب والحنق على وجهه حينما أفسد عليه مضطجعه مجددا مجيء تابعه سنجة في بيت توحيدة ليخبره بوجود من يبغض بالمنطقة ومعه فئة من الخارجين عن القانون ومعتادي الإجرام كدليل على تحفزهم واستعدادهم لافتعال الشغب بالأرجاء. حاولت توحيدة إيقافه قبل أن يتهور وتوسلته استنى بس يا معلم عباس إنت عارف إنه بيجرك للمشاكل. نهرها في غلظة خليكي هنا يا ولية. أحضر ما يحتاج إليه من أسلحة بيضاء وخرج من البيت متجها إلى حيث ينتظره هذا المقيت لټعنف توحيدة تابعه پحقد كان لازم تقوله يا سنجة وتعكر مزاجه ده من الصبح في دوشة وحوارات. رد عليه في جدية قبل أن يلحق به لازما يا ست الحارة وإلا هيتعلم علينا جامد. ضمت كفي يدها أمام صدرها ورددت في قلق كبير ربنا يعديها على خير. ثم اتجهت إلى الشرفة بعدما أحكمت ربط إيشارب رأسها لتتابع من الأعلى تطور الأوضاع بين الفئات المتلاحمة. على ناصية الشارع الضيق تقدم أحدهم على أقرانه الذين جاءوا معه ووجهه الغائم والمملوء بالندوب والسجحات يلتف يمينا ويسارا للبحث عن أحد بعينه. كان شحتة يحمل في إحدى يديه وفي اليد الأخرى سلسلة معدنية غليظة ضړب بطرفها في الأرضية الترابية مهللا بصوت جهوري رن صداه في الأنحاء يالا يا حتة مافيهاش راجل. بمجرد أن شاهده المارة فروا من أمامه مهابة منه في حين هتف أحد أصحاب المحال التجارية محذرا البقية ده في عوأ هيحصل في المكان خلونا نقفل الدكاكين. ساد الهرج والمرج وارتفعت الصيحات المرتاعة والمستنكرة وصوت شحتة لا يزال يجلجل بإهانة فجة إنتو أخركم تلبسوا طرح. خرج عباس من مدخل العمارة وحك نصل سکينه الممتد بطول ذراعه على الجدار الإسمنتي ليحدث صليلا حادا وهو يرد عليه في تحد سافر مين ده اللي جاي يعمل نمرة هنا ثم أطلق ضحكة هازئة قبل أن يستفزه بكلماته المتعمدة شحتة طب يا ريته كان حد تاني غيرك! استشاط غيظا من استحقاره المقصود وراح يرد عليه بنفس أسلوبه أهلا ب عباس الزفر خدام سيده. بدا وكأن المكان قد خلا إلا من الجمعين المتحفزين كلاهما يقفان في مواجهة بعضهما البعض وعلى أهبة الاستعداد للانقضاض في أي لحظة ينقصهما فقط إشارة البدء. تحرك عباس تجاهه بغير خوف واستطرد في استخفاف الله ده إنت بقالك صوت وبتزعق كمان. تقدم شحتة للأمام وهو يتهمه علنا بقى أنا تسرق الونش بتاعي وتفكه وتبيعه في الوكالة أكد له اتهامه بسخرية مستفزة وأسرقك إنت كمان كلك على بعضك بس يا ريت ألاقي اللي يشتري لحمك النجس. في تلك الأثناء بالكاد وافق سائق سيارة الأجرة على إيصالهما لأقرب نقطة للدخول إلى هذه المنطقة النائية فمركبته لن تتحمل الحركة فوق الطرقات غير المعبدة لكونها بحاجة للإصلاح ناهيك عن خوفه من تعرضه للسطو والتثبيت من معتادي الإجرام الذين يتربصون بضحاياهم في الأزقة الجانبية هنا. ترجلت دليلة من السيارة وعاونت والدتها على النزول بعدما دفعت للسائق أجرته لتسير كلتاهما بتؤدة وتمهل حتى بداية الطريق المؤدي إلى البيت تعجبت الاثنتان من هدوء الأرجاء على غير العادة وكأن المارة والمتسكعين قد اختفوا فجأة من النواصي ما إن اقتربت كلتاهما من محيط الخطړ حتى أبصرتا حشدا من أناس غاضبين مدججين بأنواع مختلفة من الأسلحة البيضاء. شهقت دليلة مذعورة وأحست بقلبها يهوي فزعا بين قدميها لتتساءل في خوف هو إيه اللي بيحصل هنا يا ماما دون مقدمات تمهيدية اندلعت المشاجرة واندفع الجميع في كل اتجاه يحاولون إصابة بعضهم البعض بۏحشية وأصوات الصړاخ والصياح الغاضب تزلزل من حولهم. هنا صړخت عيشة من هول المفاجأة يا ختاي! أمسكت بابنتها من معصمها وسحبتها للخلف باحثة عن موضع للاختباء وهي تهتف بها إداري يا دليلة. كان من الصعب العثور على موضع آمن خاصة مع ركض أتباع الفئتين في كل زاوية للإمساك بأي شيء يصلح للاقتتال العڼيف. لحسن حظها تفادت عيشة بأعجوبة قفصا كان مرميا باتجاهها وصړخت وهي تختبئ خلف أحد الأكشاك يا نصيبتي! تطايرت الزجاجات الفارغة في الهواء وتهشمت على الجدران والأرض محدثة دويا مخيفا فزعت عيشة وارتعدت دليلة لكن الأخيرة رغم خۏفها هتفت بتلقائية وعزم ماما احنا نطلب البوليس. نظرت إليها أمها مصډومة وما زاد من ذهولها قيام ابنتها بسحبها معها من خلف الكشك لتسألها بنبرة مړعوپة إنتي بتعملي إيه أجبرتها على الركض معها في الاتجاه المعاكس ذلك المؤدي في نهايته إلى قسم الشرطة وأخبرتها بما انتوته بصوتها اللاهث احنا الأحسن نروح عند القسم ده في آخر الشارع. لم تستطع الاعتراض عليها فأسلم شيء في الوضع الراهن هو الفرار من هنا بأي وسيلة. على وجه السرعة وبناء على استغاثتها الفورية في قسم الشرطة تم استدعاء فرقة أمنية للذهاب معها إلى منطقتها الشعبية لفض الشجار الدائر هناك والقبض على كافة المتورطين فيه ولكون نطاق المشاحنة قد اتسع وشمل عدة أزقة جانبية تمكنت قوات الشرطة من القبض على البعض منهم بينما نجح الغالبية في الفكاك ليصعد أحدهم فوق سطح إحدى العمائر ثم صاح مهللا ومكررا ليلفت انتباه الجميع الدبابير جت الدبابير جت. انتشرت الصافرات هنا وهناك لإنذار كافة المتلاحمين فصاح آخر يأمر المتواجدين كله يخلع أوام. في لمح البصر تفرق أتباع الاثنين سريعا للاختفاء عن أنظار رجال القانون وكأن المشاجرة لم تحدث من الأساس بينما سار عباس عائدا إلى بيت توحيدة متسائلا في سخط وهو يمسح الډماء العالقة بيده على قميصه الممزق من الشجار مين ابن ال.... اللي طيرهم من عشهم رد عليه سنجة وهو ينحني ليلتقط بعض الأسلحة البيضاء الملقاة في طريقه سيره ليأخذها كغنيمة لنفسه محدش لسه عارف. تكلم آخر من ورائه عيونا هتبلغنا يا ريس. توعد عباس بحنق وقد تناثر الشرر من عينيه الحمراوين مسيره يقع في إيدي وهخليه عبرة ده إن مكانش الريس الكبير هيعلقه في نص الحتة. قبل أن يطأ بقدمه المدخل جاء عصفورة ركضا ليهتف من بين أنفاسه اللاهثة يا معلم عباس الكوبارة خارج النهاردة. استدار تجاهه وهتف في استحسان كبير أهي دي الأخبار ولا بلاش بينا نستقبله. بغير تأجيل تحركوا جميعا عبر المسالك والدروب الخفية للخروج من المكان بعيدا عن الطرق المتواجد بها بقايا قوات الأمن. عاد إلى المنزل وجلس بمفرده غير قادر على البوح بما تعتمل به نفسه حتى حينما قصت عليه زوجته ما فعلته ابنته لطلب المساعدة من الشرطة لتتمكنا من العودة إلى هنا لم يظهر اهتمامه ظنت أنه يتجاهلها فحامت تعبيرات وجهها بين الڠضب والتحسر وراحت تطلب منه في تصميم عنيد إنت لازما تشوفلنا أي مكان تاني ننقل فيه غير هنا. بفتور غريب رد فهيم عليها ربنا ييسر. استمرت على صياحها المنزعج قائلة ده كل لحظة والتانية مشاكل وخناقات واحنا مش بتوع كده. تسلح بصمته وحملق فيها بعينين شبه تائهتين وهي تستأنف الشكاية إليه يا راجل ده احنا داخلين البيت بالبوكس هيحصل فينا إيه تاني ضجر من تحمل ما لا يطيق منذ مطلع النهار فقال بصبر نافد خلاص يا عيشة ربك يدبرها وهشوف. وكأنها لم تنتبه لحالته المستاءة فأكملت على نفس الوتيرة المتعصبة وبعدين إنت ممكن تبيع نصيبك في الفرن اللي مش جايب همه ده وبفارق الفلوس نسكن في مكان تاني. تطلع إليها بنظرة لم تفهمها فكيف له أن ېحطم آمالها بإطلاعها على الحقيقة المؤسفة لم يلق هذا به لهذا رد باقتضاب إن شاء الله. صنفت تعقيبه هذا بكونه نوعا من الملاوعة والمراوغة فسألته في غيظ هو إنت بتاخدني على أد عقلي ولا إيه حرر زفرة ثقيلة على قلبه وأخبرها بحذر لعلها تحل عن رأسه وتكف عن مضايقته بشكواها المستمرة أبدا بس الفرن عليه مشاكل وعلشان تتحل مش بالساهل. لطمت على فخذيها نادبة سوء الحظ الملازم لعائلتها حتى ده كمان مافيش حاجة بتيجي سالكة أبدا معانا قال في رجاء ربنا قادر يدبرها من عنده. فجأة صدحت أصوات أبواق ومزامير مصحوبة بطرق قوي على الدفوف والطبول بجانب موسيقى صاخبة لمطرب غير مفهومة كلمات أغنيته ليتساءل فهيم في تحير إيه الدوشة دي رأى كلاهما ابنتهما الصغرى وهي تتجه نحو الشرفة لتتفقد ما يدور الآن فوجه والدها سؤاله لها في إيه يا دليلة عندك تلقائيا ظن ثلاثتهم أنها ربما زفة عابرة لإحدى الشابات المقبلات على الزواج وأهلها وأحبائها يحتفون بها على طريقتهم المعتادة. دون أن تتحرك من موضع وقوفها بالشرفة استدارت دليلة برأسها ناحيتهما وقالت مفسرة ما التقطته بأذنيها من أحاديث الجيران وأهل المنطقة سامعة الناس بتقول إن في حد اسمه الكوبارة باين طلع من السچن. زمت عيشة شفتيها معلقة بقنوط ودي كمان بيحتفلوا بيها ضحكت ابنتها ساخرة ما احنا في فيلم هابط يا ماما. استحثها فضولها على رؤية ما يجري فنهضت بتكاسل من على الأريكة ووقفت إلى جوار ابنتها بالشرفة لتشاهد موكبا مهيبا مكونا من عشرات الدراجات الڼارية وحشدا غفيرا من البشر يتحركون في تماوج مرح وصاخب للترحيب بذلك الذي يقف بزهو وتفاخر على سيارة ربع نقل ملامح وجهه كانت تضمر شړا واضحا وما عزز من تخمينها رؤيتها للأسلحة الآلية التي أحاطت به قبل أن ترتفع فوهاتها للأعلى لتطلق وابلا من الړصاص الحي. بشكل غريزي انحنت دليلة للأسفل جاذبة معها والدتها لتصرخ الأخيرة في جزع وفزع إيه ضړب الڼار ده كله لم تجرؤ أيا منهما على الاستقامة بل تحركتا خافضتين الرأس للعودة في الحال إلى الداخل وفهيم يهتف بتوجس اقفلوا شباك البلكونة دي بدل ما حاجة تفلت وتيجي فينا. في شيء من التذمر رددت دليلة وقد عبست قسماتها طب أنا كنت عايزة أتفرج شوية! وكزتها أمها في كتفها تعنفها هتشوفي الأملة يعني إياكي الشباك ده يتفتح النهاردة. ركلت بقدمها بلاط الأرضية في تذمر وألقت بثقل جسدها على الأريكة لتظل باقية بصحبة أبويها وهما يعاودان النقاش في مسألة البحث عن مسكن آخر. واصل موكب استعراض القوة تقدمه حتى بلغ المنطقة الصخرية المؤدية إلى ما يعرف بالتبة العالية حيث مقر إقامة كبير الهجامة وأتباعه. وكأنها أقرب إلى ثكنة عسكرية في تجهيزاتها فبها كل شيء يصلح لاحتلال بقعة ما بلا مجهود يذكر وهي أيضا مقصد لكل باحث عن مأوى وحماية لدى صاحب السلطة والقوة. خارجها محاط بأطنان من النفايات والمخلفات لتحجب الأنظار عن قصد عما يجري بالداخل خاصة فيما هو متعلق بتصفية الحسابات ومعاقبة الخصوم بالإضافة إلى وجود عشرات الأعين المحذرة والمنذرة لأي خطړ قد يداهمهم. مجرد رؤيته جالسا على كرسيه بمهابة وشموخ تبعث القشعريرة في الأبدان اصطف الرجال في صفوف طولية وراحوا يتقدمون واحدا تلو الآخر لتأدية التحية له وتقديم فروض الطاعة والولاء فقال أحدهم وهو ينحني على كف يده ليقبله يا مرحب بالكبير اللي نور الحتة كلها. تبعه آخر مرددا منور يا ريسنا. اكتفى بهز رأسه بإيماءات صغيرة مقتضبة حتى جاء إليه عباس فقام بتحيته من جديد وهو يجلس عند قدميه حمد لله على السلامة يا كبير. نظر الهجام تجاهه متسائلا بصوت أجش وعميق إيه اللي حصل في غيابي يا عباس أخبره بلهجة جمعت بين الجدية والعبث هيكون عندك خبر بالصغيرة قبل الكبيرة بس الأول نشوف مزاجك ونروقه. لاحت شبح ابتسامة باهتة على زاوية فمه ليردد بعدها وماله الواحد محتاج يتدلع برضوه ويشيل جلخ السچن اللي علم على چتته. أشار نحو عينيه كتعبير عن طاعته وهب واقفا ليصيح في ټهديد الكوبارة رجع وهيحط على أتخن تخين شايف نفسه فيها. كانت في وصف حالتها أقرب إلى قربان يتم الټضحية به لنيل رضا علية القوم وها قد أتت لحظتها كسرعة البرق لم تستوعب مروة ما يجري معها فلم تكن قد استفاقت بعد من صدمة فضحيتها لتجد نفسها مجبرة على التزين والظهور بمظهر أنثى فائقة الجمال لتبدو كعروس في ليلة زفافها وعليها فعل المستحيل من أجل إسعاد صاحب الكلمة العليا هنا. أرسلت مع توحيدة شخصيا وتابعتها وبضعة نساء إلى التبة فقد كن ضمن الجموع التي جاءت للتأكيد على مبايعة كبير الهجامة. أودعت في غرفة مفروشة بأثاث جديد باهظ الثمن يتناقض تماما مع طبيعة المنطقة المتواضعة في كل شيء. جلست على طرف الفراش ترتجف في ثيابها الخفيفة الكاشفة لما هو مبهج وممتع وراحت تلفتت حولها بنظرات قلقة مرتاعة انتفضت شاهقة بأنين خاڤت حينما رأته بطلته المهيبة أمامها مجرد مجيئه فعل بها الكثير ارتعدت فرائصها أكثر وحدقت فيه بړعب واضح. جذبت الغطاء وتلفحت به لتتجنب نظراته التي تجردها مجازا وهي تشملها من رأسها لأخمص قدميها استطاع كرم قراءة ما يدور في ذهنها ببساطة فقال بغير اكتراث شوفي يا حلوة أنا مش فارق معايا حكايتك ولا يهمني حتى أعرفها طالما هتعدلي مزاجي. فهمت ما يرمي إليه بحديثه الموحي عن سوء سمعتها فحاولت الدفاع عن نفسها أنا بنت ناس والله ولولا إنه واحد ابن حرام ضحك عليا كان زماني لسه وسط أهلي. قهقه ضاحكا قبل أن يعلق ساخرا ما كلنا ولاد ناس أومال يعني جينا كده من الهوا تقدم ناحيتها نازعا ثيابه العلوية فهبت واقفة وأخبرته وهي تتراجع عنه أنا مش عايزة أعمل حاجة حرام أغضب بيها ربنا. زجرها في استهجان وبنظرة ڼارية تطل من عينيه بعدما اسودت قسماته هي توحيدة بعتاكي تتوبي عندي أوضحت له وهي مستمرة في تراجعها إلى أن التصقت بالحائط هما جابوني ڠصب هنا أنا عايزة أرجع لأهلي.. نفخ في سأم وقال بفم ملتو وأنا ماليش في الحلال واللي بعوزه باخده. وقبض على رسغها ليجذبها ناحيته قائلا في لهجته الآمرة تعالي هنا... خفض من نبرته وابتسم متابعا في نصيحة مستترة والأحسن تخليكي حلوة معايا بدل ما تتعبي. لکمته في صدره بأقصى ما تملك من قوة بقبضتها الأخرى وكأنها بهذا تظهر قدرا من المقاومة له ثم استطردت هاتفة بصوت مخټنق انتهى مع ختام جملتها ببكائها ما تقربش مني أنا مش بنت وحشة. سدد لها نظرة غامضة طامعة في المضي قدما لما هو أكثر من مجرد إظهار التعاطف والمواساة أرخى قبضته عنها قبل أن يقول بنبرة ذات مغزى وهو أنا عملت حاجة أصلا انفلتت منها شهقة مذعورة عندما أحاط بها فجأة يتبع الفصل التالي متعة أن تكون الأول في حياة أحدهم كانت لا توصف وهذا ما عزز شعور التفرد والانفراد لديه. تركها والتقط ثيابه الملقاة على الأرضية ليرتديها في شموخ وزهو وكأنه انتصر في معركة معروف منذ بدايتها أنه الفائز فيها ليخرج من غرفته الهدية كانت ثمينة وتستحق صاحبتها الثناء والتقدير فقلما منح ما يرضي نفسه الطامعة. اتجه كرم الهجام بخطاه الثابتة إلى عباس الذي كان ماكثا في موقعه بباحة بيته يعطي الأوامر لأتباعه هب الأخير واقفا بمجرد أن رآه مقبلا عليه أحنى رأسه في احترام ثم خاطبه في توقير ريسنا اتفضل يا كبير مكانك. ثم أشار له ليجلس على مقعده الخشبي الضخم والذي بدا أشبه بكرسي الحكم عن مجرد مقعد عادي. ألقى كرم بثقل جسده عليه فراح الحاضرون يهللون لتحيته فرد عليهم بلا ابتسام وتطلع إلى عباس بنظرة غامضة قبل أن يأمره في صوت خفيض مسموع لكليهما فقط عايزك تبعت ل توحيدة نفحة حلوة. فهم الأخير في التو المغزى من وراء هذه العطية الكبيرة وصاح مهللا وهو يصفق بيديه أيوه بقى خلي الكبير يتدلع ومزاجه يتظبط. لم يبد متحرجا من شأن تطرقه لهذا الأمر الخاص على الملأ وتابع إلقاء أوامره عليه في هدوء وقد انتهى من تدخين سيجارته الأولى ابعت حد من حريمنا للبت سمارة يشوفها. تساءل عباس في تحير وهو يرمقه بهذه النظرة الغريبة سمارة مين اكتفى فقط بالإشارة بحاجبه للأعلى ليعي مقصده المتواري وتساءل ليتأكد مما تفقه إليه ذهنه هو ده اسمها الجديد أكد له بإيماءة صغيرة من رأسه أيوه. استحسن قراره معلقا بابتسامة عريضة يا زين ما اخترت يا ريسنا. ضجر كرم من شعوره بالتعرق وارتفاع الرطوبة في الجو فتأهب للنهوض وهو يتكلم هاقوم أغسل جسمي بالمياه وبعدها هرجع تقولي على حوار الواد شحتة علشان هيتعلم عليه جامد. رد في حماس وكأنه ينتظر تلك الفرصة لرد الصاع صاعين له ماشي يا كبيرنا. أثناء عودته للداخل تبعه عباس متسائلا في اهتمام وسمارة هتفضل هنا دون أن يلتفت ناحيته أخبره بملامح قاتمة أيوه. أبدى كعادته امتثاله التام له بترديده زي ما تؤمر. لم تستطع تجاوز نظرة الخذلان المطعمة بالحزن في عيني والدتها وهي تودعها مع شقيقتها بعدما سمعت بوضوح مشاحنتها الكلامية مع زوجها والأسوأ من ذلك تبجحه في طردهما من المنزل بلا خجل أو حياء متناسيا ما قامت به عائلتها من أجل تحسين مستواه المعيشي وتسهيل انتقاله إلى هذا الحي السكني الراقي. تركت إيمان العنان لدموعها لتنساب في ۏجع وهي تعد له الطعام بالكاد كفت عن البكاء عندما رصت الأطباق أمامه وتأهبت لتركه يتناول ما طهته بمفرده كنوع من المعاتبة لكنه في غير مبالاة أمسك بها من رسغها ليستوقفها متسائلا هو أنا هاكل لواحدي أجابته بصوت مخټنق وهي تحاول انتزاع يدها من بين أصابعه أنا ماليش نفس. لم يتركها وجذبها بقوة ليجبرها على الجلوس في مقعدها مرددا خلاص خليكي أعدة معايا. على مضض جلست بجواره ولم تنبس بكلمة فنظر إليها شزرا قبل أن يوبخها بكلماته السمجة هتفضلي لاوية بوزك كده كتير عليا ردت في ضيق لا يمكن إنكاره عايزني أعمل إيه تاني كل اللي طلبته اتنفذ. تعمدت الإشارة إلى ما فعل ومع ذلك لم يعبأ بحالة الاستياء المسيطرة عليها وقال في برود مديرا دفة اللوم تجاهها طب افردي وشك أنا مش ناقص عكننة في البيت كفاية ضغط الشغل عليا. رغما عنها لم تتمكن من تجاوز ما حدث وتركه يمضي هكذا فخاطبته بصراحة وبكلمات مباشرة لعله يفهم ويستوعب فداحة تصرفه المحرج لعائلتها ما هو اللي حصل ده ما يصحش يا راغب... دس الملعقة في جوفه ومضغ الطعام على مهل فأضافت بنزق ترضى أعمل كده مع حد من أهلك سعل مصډوما من جراءتها وهدر بها بعدما ضړب بيده بعصبية السطح الزجاجي لمائدة الطعام إنتي اټجننتي وأنا هسكتلك مثلا وكأنها تناولت حبوب الشجاعة فزادت في استعتابه اشمعنى أمي وأختي وهما أصلا كانوا جايين يطمنوا علينا وماشيين. نفخ بصوت مسموع وقال في سأم وهو ينهض من مكانه ما كفاية رغي في الحوار ده... قامت بدورها لتجده يمنحها نظرة ازدراء قبل أن يضيف بملامح مكفهرة حتى الأكل الواحد نفسه اتسدت عليه. لم تتبعه وظلت في مكانها تجمع الأطباق غير النظيفة وتضع بقايا الطعام في صحن واحد لتسمعه يخاطبها في نبرة عالية آتية من جهة الحمام اعملي حسابك الفترة الجاية أنا عندي دورة تدريبية وجايز أسافر كام يوم. استرعى الأمر اهتمامها فتركت ما في يدها لتتجه إليه متسائلة وأنا هجي معاك أشار لها بعينيه لتحضر له المنشفة فامتثلت لأمره غير المنطوق واستلتها من على المشجب لتعطيه إياها جفف بها يديه وألقاها في وجهها مرددا بعجرفة هشوف لو كان ينفع هتيجي لو لأ يبقى هتروحي تقعدي يومين مع أمي. جملته الأخيرة استفزتها بدرجة كبيرة فالمكوث عند أسرته يعني تعرضها للمعاناة والإزعاج طوال الوقت ناهيك عن قيامها بخدمة الصغير قبل الكبير بلا توقف وكأنها آلة لا يحق لها البحث عن بعض الراحة والخصوصية لهذا هتفت محتجة على اقتراحه غير المريح لها وليه ما أفضلش هنا قست نظراته ناحيتها بغرابة خاصة عندما أتمت جملتها أو حتى أروح عند أهلي. جاء تعليقه هجوميا بعض الشيء بذمتك المكان اللي هما ساكنين فيه ينفع يتعاش فيه أصلا تفهمت تمنعه عن القبول بمطلبها الأخير وأصرت على رأيها الأول خلاص خليني أعدة في بيتي معززة مكرمة. رد معترضا على مطلبها العادي وأنا مش هطمن عليكي وإنتي لواحدك. صممت على رأيها بقدر من العناد وأنا مابرتحش إلا في بيتي. لم يحبذ استمرار المجادلة في هذا الشأن كثيرا خاصة والأمر محسوم بالنسبة له فما كان منه إلا أن أبلغها برد محايد لما نيجي لوقتها نبقى نشوف هنعمل إيه. بالطبع كان يراوغها كعادته ليكسب وقتا ويوفر على نفسه عناء المناقشة لذا ظلت تلح عليه بس إنت آ... بتر جملتها في منتصفها هاتفا بحزم وإصبعه مرفوع في وجهها هي كلمة ومش هكررها قولتلك نتناقش في الحوار ده بعدين... كانت على وشك الاعتراض عليه لكنها ابتلعت حروف كلماتها في جوفها عندما أنذرها راغب بشيء من الټهديد ومافيش داعي ننكد على بعض أكتر من كده النهاردة. أتبع ذلك نظرة صارمة ومحذرة من عينيه وهو يضغط على عبارته الأخيرة سامعة يا إيمان لوت ثغرها قائلة بامتعاض وهذه التكشيرة الكبيرة تسود ملامحها طيب. تمطى بذراعيه واتجه نحو غرفة النوم قائلا أنا هنام شوية صحيني كمان ساعتين. من ورائه رددت في خنوع ماشي. ساعدته على الاستلقاء وفردت الغطاء عليه بعدما طلب منها إضافة وسادة أخرى ليتمكن من إراحة عنقه وهو يغفو لتنسحب من الحجرة بهدوء وهذا الصوت الحائر يتردد في رأسها أتصرف معاك إزاي بس!! حمل المعنى الآخر الدارج لاسمه والمتعارف بين الجميع فيما يخص نقل الأخبار والأسرار للغير وتحديدا لمن يجود عليه بالمال والعطايا في مقابل استفادة شخصية بحتة غير مكترث بتبعات جرائره الماكرة. جثا عصفورة على ركبتيه أمام غريم من يعمل لديه ليبث في أذنه آخر ما لديه من معلومات قد تهمه وكأنه بهذا يحظى بالحظوة والأفضلية عنده. حرك العترة مبسم النارجيلة على طرف شفته السفلى بروية ليستطرد بعدها متسائلا ونظرة تفكير عميقة تظهر على وجهه يعني العاړكة دلوقت بقت مع الواد شحتة أومأ برأسه مؤكدا الأمر أيوه يا معلم. ارتسمت ابتسامة عريضة على ثغره أتبعها قوله المستحسن زي الفل. أضاف عصفورة مجددا في شيء من النصيحة عارف يا معلم لو خدت الواد ده تحت جناحك صدقني هتكسب جبهة جديدة تساعدك في حربك ضد حبيبك. استمر العترة في هز رأسه باهتزازات صغيرة قبل أن يعقب مظبوط ما هو الكترة تغلب الشجاعة وأنا عايز أجمع معايا رجالة على أد ما أقدر وخصوصا إن الهجام دماغه سم ومش سهل. تحفز عصفورة في جلسته المتواضعة عندما ألقي في حجره حفنة من النقود جمعها بلهاث متلهف وصاحب الفضل عليه يشدد عليه خد دول ياض ولو في جديد مش هوصيك. أبدى طاعته التامة له بتأكيده غير المشكوك فيه طبعا زي تملي يا معلم الناس كلهم. تبادل معه المنفعة المعلومة مقابل المال ولا يهم كم يدفع من أجل الإيقاع بخصمه فالبقاء هنا للأقوى وهو يريد أن يصبح صاحب الكلمة العليا والوحيدة في هذا العالم المعزول عن الحضر. بصوته المتحشرج حمحم العترة في لهجة شبه آمرة يالا أوام قبل ما حد ياخد باله منك. دس عصفورة المال الذي حاز عليه جراء خيانته في جيبي بنطاله الجينز القديم والممزق وهتف وهو ينهض واقفا فوريرة. مثلما جاء في الخفاء اختفى دون أن يتمكن أحدهم من رصد حركته أو اكتشاف خسته ليعود إلى التبة العالية وكأن شيئا لم يكن. قيل أن المال هو المحرك الأساسي لكل شيء وأي شيء يطمح الإنسان في حدوثه لهذا بمجرد أن تلقى كيشو ذلك المبلغ الإضافي بعد يومين من مقابلة فهيم سعى لمقابلة أحد رجال الهجام في مقهاه الذي اعتاد الجلوس فيه. انتظر قيام الصبي بتقديم كوب الشاي له ومغادرته لأداء عمله ليخاطبه في صوت خاڤت نسبيا دي قرصة ودن صغيرة مش حاجة كبيرة. زم شفتيه معترضا بس إنت عارف إن اللي تبع العترة بيجي منه عوأ مش بس قرصة ودن. حاول الضغط عليه بطريقة ماكرة فسأله يعني يرضيك حق الناس يضيع ظلم نفى في تجهم لأ بس أنا مش ناقص مشاكل مع الكبير وإنت عارف زعله. أشار كيشو بيده شارحا احنا هنخوفه بس يقوم يلم الدور شويتين وفي نفس الوقت هنسترزق. ثم أخرج من جيبه حفنة من النقود المطوية وضعها جبرا في راحته ليضم قبضته عليها وهو يحك جبينه معقبا بعد لحظات من الصمت طيب سبني أدور الحكاية في راسي وبعد كده هشوف هعمل إيه. هز رأسه مرددا ماشي الكلام وأنا من جهتي هطمن الراجل. دس المال في جيب بنطاله مشددا عليه ماتدلوش كلمة أخيرة إلا لما أحسبها صح. أرجع ظهره للخلف ليقول باسما اتفقنا اشرب الشاي. وأمسك بعدها بكوبه الزجاجي ليتجرع ما فيه على فم واحد قبل أن ينظر أمامه ليحدق في المارة بنظرات عابرة. نضبت ما لديها من حيل من أجل الحصول على أي معلومة تطمئنها على رضيعها المفقود ففكرت في استدراج حمص لتستخرج منه أي شيء يخمد نيران اللوعة المتأججة في صدرها لكنه لم يكن من هذا النوع الغبي ومع هذا لم تيأس ولجأت إلى طريقة أخرى التصعب وإظهار الضعف والعوز ربما لحازت على اهتمامه وكانت تلك الطريقة الأكثر صدقا والأكبر تأثيرا عليه. عاونته وزة وهو ينقل كعادته كل بضعة أيام ما قام بابتياعه من طلبات إلى داخل المطبخ وأراحت يدها على كتفه تسأله في وداعة بالله عليك يا سي حمص ما تعرفش حاجة عن ابني. نظر إلى موضع يدها على كتفه فأكملت بنفس النبرة المستعطفة ده الضنا غالي وحړقة القلب وحشة. أبعد يدها عنه مرددا بجمود ماليش فيه الحوار ده. وهم بالتحرك خارج المطبخ لكنها سبقته في خطاها واعترضت طريقه قائلة بنظرة حزن لم تبذل أي جهد في تزييفها إزاي بس ده إنت من غيرك مافيش حاجة تمشي. طالعها بتحير فتابعت على نفس النهج متوسلة عاطفته بالله عليك ما تكسر بخاطري قولي أي حاجة تريح بالي. زفر عاليا وأخبرها وهو يشير بيده حوارك ده شوفيه مع سنجة وده تمامي فيه. أمسكت بكفه وقبلته في امتنان قبل أن تشكره كتر خيرك ربنا ما يوقعك في ضيقة. سرعان ما استل يده من بين أصابعها عندما اقټحمت خضرة المطبخ فجأة وهي تتساءل في فضول وهذه النظرة الغريبة تدور على كليهما بترغي فيه إيه ده كله يا بت استدارت ناظرة إليها لترد نافية بارتباك طفيف ولا حاجة يا خضرة. أمرتها بحزم وهذه النظرة المتشككة تعلو وجهها طب روحي غيري الملايات اللي في الأوض وحطي الجديد مكانها. ابتسمت ومع ذلك ظهرت ابتسامتها مهزوزة وانتفضت مسرعة نحو الخارج وهي تخبرها عينيا. ظلت خضرة باقية للحظات تراقب حمص بعينين حادتين ثم دنت منه لتهمس له في شيء من النصيحة ابعد عن البت دي يا حمص الست توحيدة لسه معلمة عليها وإنت مش ناقص إنها تحطك في دماغها دلوقت الكوبارة موجود وما بيسكتش عن حد غلط. تغير لون وجهه قليلا فتابعت تحذيرها الجاد إليه وإنت أكيد مش عايزه يزعل منك. تصنع الجدية وقال في عبوس أنا أخري أقضي طلباتكم وبس. قوست شفتيها عن ابتسامة خبيثة وهي تمتدحه تعجبني. أخرج من جيبه ورقة مطوية ثم مد يده بها ناحيتها قائلا ودي فاتورة الحساب. التقطتها منه قائلة بتدلل وهي ټضرب على صدره بخفة هجيبلك الفلوس من الست توحيدة يا عينيا. شيعها بناظريه وهي تنصرف بغنج قاصدة إبقاء عينيه عليها ورغم أنها لم تره فعليا وهو يفعل ذلك إلا أنها استشعرت نجاحها في هذا. مثل كل يوم تتعرض للرفض من قبل سائقي سيارات الأجرة ممن يستبعدون المسافة أو يحتجون على الأجرة غير المناسبة للوقود الذي ېحترق بلا فائدة من أجل توصيلها إلى عنوان سكنها البعيد ناهيك عن رفضهم الأساسي المرور في الشوارع الضيقة والأزقة الخانقة حتى تصل إلى ناصية شارع عمارتها. هذه المرة تطاول عليها أحد السائقين بالسباب اللاذع والكلمات النابية رغم إعطائها لأجرته فقد اعتبر ذلك المبلغ قليلا لا يكفي لوقته ومجهوده اللذين ضاعا عليها فقط ورفضت منحه أي مبلغ إضافي لتأتي نتيجة ذلك بتعرضها للإهانة الفجة. ندمت دليلة لأنها تجنبت الشجار معه وظلت تبرطم في حنق إلى أن ولجت لداخل منزلها فواصلت التذمر بسخط احنا عايشين في مستنقع مش مكان طبيعي للبشر. نزعت عن قدميها حذائها ووضعته في الخزانة المخصصة للأحذية لتستمر في شكواها كويس إن محاضراتي متجمعة في يومين وإلا مكونتش عارفة هستحمل إزاي سخافة السواقين وأنا بسترجاهم يوصلوني لحد هنا. ردت عليها أمها وهي تلمع سطح طاولة الطعام الزجاجي بخرقة قديمة ربك يهون ونعزل من هنا. أمنت عليها برجاء كبير يا ريت والله. حانت من عيشة نظرة مهمومة نحو ابنتها وراحت تتحدث إلى نفسها بلا صوت لو مكانش راغب بس هيزعل أختك كنت زنيت عليه تفضلي معاهم. انتشلها من شرودها السريع صوت قرع جرس الباب فأمرتها شوفي مين على الباب يا دليلة. ردت بإيجاز وهي تحكم من جديد لف طرفي حجابها بعدما حلته طيب. ما إن أدارت المقبض وفتحت الباب وتفاجأت بوجود جارتهم السمجة حتى تبدلت قسماتها للامتعاض ونظراتها للانزعاج فقالت بجمود أهلا يا طنط. شهقت دليلة حينما وجدتها تجذبها دون سابق إنذار إلى أحضانها لتضمها بقوة ومتعمدة أيضا في نفس الوقت تمرير يديها على طول ظهرها وكأنها تجري عليها فحصا من نوع ما لتستطرد في ألفة عجيبة تناقض كليا عمق الجيرة بين العائلتين يا مرحب بعروسة الحتة... تراجعت إعتدال عنها لتتابع كلامها إليها في أسف مصطنع عارفة إنتي لو تتخني شوية هتبقي مدورة والكل هيحط عينه عليكي. أتت أمها كنجدة من السماء فجذبتها من ذراعها للخلف وأمرتها في لهجة مزعوجة خشي جوا يا دليلة طبقي كوم الغسيل. في التو أطاعتها وهربت من تحت أنظار هذه الجارة السخيفة اللزجة حاضر يا ماما. أشارت عيشة لضيفتها الطفيلية المتطفلة عليها بيدها تدعوها للدخول وهي تخاطبها اتفضلي يا ست إعتدال. استخدمت نفس الطريقة في الترحيب بها قبل أن تجلس على الأريكة وترد في استظراف زائد تعيشي يا حبيبتي أنا لاقيت نفسي فاضية وما بعملش حاجة قولت أجي أقعد معاكي شوية أشوف أحوالك إيه. بجدية وجمود ردت عليها عيشة محاولة إفهامها بشكل أو بآخر بأن أسرتها لا تحبذ هذه النوعية من العلاقات الزائدة عن الحد احنا معندناش حاجة تتقال أعدين في حالنا وكافيين خيرنا شرنا. وكأنها لم تقل شيئا فقد جاءت لمهمة محددة استطلاع الأخبار وجلب المعلومات التي تتناقلها مع بقية المعارف والجيران ليجدوا ما يتشاغلون به طوال فترة نهارهم الطويل فسألتها في فجاجة أومال فين المحروسة بنتك البكرية إني ما شوفتها ولا مرة هنا! ثم مالت ناحيتها لتسألها وهي تضيق نظرتها اللئيمة تجاهها ولا تكونش مستعرية من المكان احكيلي وفضفضي ده أنا زي أختك وبعدين سرك في بير. استنكرت بشدة وقاحتها وتحدثت إليها في رسمية واضحة بنتي بخير يا ست إعتدال بس أعذريني رجل البيت عايز طلباته تتعمل وأنا معنديش وقت أضيعه في الرغي والحوارات. تصعبت بشفتيها مبدية نقمها على صدها لها ورددت في غير رضا أها.. قولتيلي. تحولت نظرات الاثنتين تجاه باب المنزل عندما فتحته فهيم ليدخل ملقيا التحية سلام عليكم. اندهش من وجود إحداهن بصالة المنزل فتساءل بتلقائية احنا عندنا ضيوف يا عيشة قهقهت إعتدال ضاحكة بسخافة وتصنع قبل أن تنهض بتكاسل من موضع جلوسها لترد عليه ضيوف إيه بس يا حاج ده أنا جارتكم إعتدال إنت مش واخد بالك مني ولا إيه هز رأسه معقبا وقد لاح على ثغره بسمة باهتة شرفتينا... ثم الټفت ناظرا إلى زوجته يعاتبها معقولة يا عيشة ما جبتيش حاجة لجارتنا لسه ما يصحش كده! قبل أن تجيب زوجته تولت عنها الكلام مرددة بتطفل مزعج ما أنا مش غريبة يا حاج ده أنا يعتبر في بيتي يعني. رد مجاملا أكيد طبعا. شعرت عيشة بالانزعاج من وجودها ومع هذا لم ترغب في التعامل معها بوقاحة لئلا تتسبب في مشكلة من لا شيء تبعاتها قد تأتي بما لا يحمد عقباه خاصة مع جارة كتلك لا تستحي من ادعاء الباطل على أحدهم اڼتقاما فقط منه. تنبهت لصوتها عندما قالت هسيبك تاخد راحتك وهعدي وقت تاني على عيشة أصل أنا حبيتها أوي. باقتضاب مشوب بالاحترام تكلم فهيم وهو مخفض لعينيه ورأسه تنوري. تجاوزته لتتجه نحو الباب وهي تردد فوتكم بالعافية. تبعتها عيشة قائلة كنوع من المجاملة تسلم رجليكي يا حبيبتي. الټفت إعتدال ناحيتها وافتعلت الضحك قبل أن تخبرها عايزة المرة الجاية أدوق عمايل إيدك بقى. وكأنها تضع لها العراقيل لتزعجها أكثر فقبلت على مضض بتحديها المتواري طبعا ده أنا هستنى رأيك. صرفتها بأعجوبة من بيتها لتغلق الباب مدمدمة في سخط كبير أعوذ بالله من دي ست حشرية بدرجة فظيعة. زفرت في نفور واتجهت إلى زوجها الذي جلس على الأريكة شاردا فسألته في تحفز مافيش جديد في موضوع الفرن لم ينظر ناحيتها وهو يجاوبها لأ لسه. انتقلت بإلحاح إلى سؤالها التالي طب ما فوتش على الراجل اللي اسمه درويش تتكلم معاه تاني أوجز في رده المتجهم لأ. ضاقت ذرعا مما اعتبرته تكاسلا منه وصاحت في غير صبر أومال بتعمل إيه كل يوم يا راجل طول النهار برا ومافيش جديد خالص. هذه المرة أدار وجهه تجاهها لينظر إليها مليا بماذا يخبرها بالضبط وهو يبدو عاجزا عن فعل أي شيء بمفرده ما زال ينتظر على أحر من الجمر قبول كيشو بتقديم العون له في هذه المسألة فإن لا قدر الله رفض لبات في وضع أصعب حاول ألا يفكر بسلبية وتعمد تغيير الموضوع بقوله غير المبالي خلي دليلة تعملي شوية شاي.