بكفر عتمان الكبير.. _ كله زي ما أمرت يا كبير.. قالها أحد الرجال ذوي القامة الفارعة و البشرة السمراء، بجسد ضخم و صدر عريض، تطلع إليه سيده ليخفض رأسه سريعا، بنظرات ثاقبة و أنفاس هادئة قام السيد من على مقعد الملوك الذي يرثه أبا عن جد.. مشهد يقشعر له الأبدان فقط من طلته الخاطفة للأنفاس، كبير ابن كبير إسم على مسمى سند الكبير، بطول يقترب من المتران و ضخامة جسد تسقط أمامه القلوب رعبا.. بشرة خمرية تميل إلى اللون الأسود اللذيذ، عيون بها سواد الليل برموش تظلل عليها بحماية مزين إياها بكحل صحن على يد جدته خصيصاً لسند العائلة و الكفر بالكامل.. اقترب من رجله الأمين فاخر واضعا يده على كتفه قائلا بنبرة صوته الخشن بزيادة عن الطبيعي و إبتسامة : _ قولي عملت ايه بالتفصيل يا فاخر.. أومأ إليه الآخر متعجبا من إبتسامة سيده التي لا تظهر إلا وقت الكوارث ثم أردف بإحترام : _ كل المستشفيات و الأماكن في إسكندرية رفضوا شغلها، نزلت تدور في المحلات حتى العطارة بس اترفضت و دلوقتي أدامها ساعة بالكتير و توصل الكفر مع سناء، عملت زي ما جنابك أمرت ظهرت لها و عرضت عليها الشغل في الكفر حكيمة لبيت الكبير و هي ما صدقت... زادت ابتسامته اتساعا، بدأ شعور كبير بالراحة يغمره لاقتراب المراد، عاد ليسأل من جديد بذكائه : _ في حاجة عايز تقولها و خايف قول أنا سامع... ابتلع الآخر لعابه قائلا : _ مش هتيجي لوحدها يا كبير معاها الراجل اللي كاتب كتابه عليها من شهر... لم يتعجب أو يظهر عليه أي رد فعل عنيف كما تخيل فاخر، بل ابتسامته الشيطانية جعلته يتأكد أن زوجها المسكين نهايته قريبة جداً، أبتعد سند خطوة للخلف سامحا للآخر بالخروج من المكان... أخرج تنهيدة قوية.. ها هي تعود إلى نفس المكان الذي فرت منه بليلة ممطرة و ستعود بنفس الليلة بعد عام كما أمرها، حبة الفراولة خاصته.. لعبته الأكثر من ممتعة يفصل بين اللقاء ساعات قليلة... جلس على مقعده و عينيه على نور الصباح النابع من الشرفة مردفا بهدوء : _ والله زمان يا وعد... --- على الصعيد الآخر بالإسكندرية... في تمام الساعة العاشرة صباحا... أغلقت باب منزلها خلفها بعدما ألقت عليه نظرة أخيرة، حملت حقيبتها و هي على يقين من اقترابها إلى الهاوية، تتطلع لباب المنزل لا تريد الذهاب إلى مكان يجمعها به، كل ما حدث و يحدث و سيحدث من تدبيره... أخرجت أنفاسها بقلة حيلة أغلقت كل الأبواب بوجهها و لم يبقى أمامها إلا بابه، سند الكبير حلم حياة تحول بليلة واحدة إلى كابوس مرعب، انتبهت إلى تلك اليد التي تحمل عنها الحقيبة لتنظر إليه بابتسامة مردفة : _ مكنش في داعي يا محمد تيجي معايا و تسيب شغلك و حياتك.. ضربها الأخر على مقدمة عنقها، بابتسامة مرحة تليق ببشرته البيضاء و عيونه الخضراء كأنه أحد ممثلي أوروبا، وسيم، محب، ودود، بكل شيء مميز يأخذ من اسمه الكثير، قائلا : _ مجنونة أنتي عايزاني أسيبك أنتي مراتي يا بت يلا ادامي أنا متحمس أوي للرحلة دي... مطت شفتيها إلى الأمام بتهكم مردفة : _ متحمس لإيه بلا نيلة.. تعرف يا محمد من موقعي هذا بقولك أيامنا اللي جاية كلها هتكون بالشكولاته من كم السواد اللي هنكون فيه يلا شيل الشنطة و تعالى ورايا لسناء تحت... بخطوات بطيئة تقدم ساق و تعود عشرة للخلف بدأت تقترب من السيارة الفخمة التي تنتظرها أسفل منزلها، هذه الرحلة لن تكون سوي الجحيم على الأرض... ابتسمت تلك السيدة الأربعينة لسناء بشفقة كبيرة حاولت اخفائها قدر المستطاع، هذه الصغيرة تخطو بنفسها إلى كفر الكبير و يا عالم ماذا سيحدث هناك، أشارت الي جوارها قائلة : _ تعالي يا وعد اقعدي جانبي هنا و أستاذ محمد يبقى يقعد جنب السواق، نفسي أشوف اللي خطف قلبك يا بنتي... ضحكت وعد بمرح مردفة : _ بيجيب الشنط أصلها كتير شوية، المهم دلوقتي يا ست سناء إن الكبير مش في الكفر مسافر زي ما قولتي كام شهر أدبر فيهم أموري و أمشي... ارتبكت ملامح الأخرى إلا أنها أردفت بهدوء : _ طبعاً يا وعد، فين بقى جوزك عايزين نمشي... أشارت وعد إلى محمد القادم على بعد مسافة قليلة منهما قائلة : _ أهو هو ده محمد يا ست سناء... ها هي سناء تأخذ أكبر صدمة بحياتها بعدما وقعت عيناها على محمد، أغلقت عينيها عدة مرات تحاول استيعاب و فهم ما تراه من هذا محمد؟!... --- عودة مرة أخرى إلى الكفر... الساعة الثانية إلا ربع ظهرا.. بمنزل الكبير دلفت إمرأة تخطت السبعين عاما إلا أنها مازالت تتحلى بالجمال و الصحة، السيدة حكمت جدة سند و سيدة الكفر، ضربت بعصاها الأرض لينتفض من بالمكان، وقف الجميع انتباه لتقول هي بقوتها المعتادة : _ باقي ربع ساعة على وكل السيد سند الكبير، مش عايزة غلطة واحدة تمنها رقبة حد فيكم، يلا همي منك ليها خلينا نشوف ورانا إيه... الساعة الثانية ظهرا بالدقيقة كان يجلس على طاولة الطعام بالمقعد الكبير و بالمقابل له جدته، يأكلان وحدهما كما اعتادا و باقي العائلة يفضلوا الغذاء بوقت متأخر... نظر إلى جدته بهدوء قبل أن يبدأ طعامه بصمت، يقرأها مثلما اعتاد على قراءة الجميع تراقبه و تعلم بخطته و ربما تريد إيقافها، ساد الصمت لدقائق حتى قطعته السيدة حكمت مردفة : _ رايد إيه من بنت إسكندرية تاني يا سند الكفر كله عشان تحوم حواليها و تغصبها ترجع؟!.. ترك قطعة فخذ الدجاجة من يده قبل أن ينظفها بالمنديل الموضوع بجواره قائلا ببرود : _ كيفي كدة يا حاجة وعد لازم تبقى تحت عيني و أمري كمان، والا المراقب بتاعك مقالش ليكي أنا رجعتها غصب زي ما بتقولي ليه... تركت الأخرى طعامها، وعد فتاة بريئة بينها و بين حفيدها فرق مثل الفرق بين السماء و الأرض، الماء و النار، تغيرت ملامحها باعتراض قائلة : _ مين قالك إني براقبك أنا هنا الكبيرة زي ما أنت الكبير يا ولد الغالي، ابعد عنها و طلعها من دماغك أنا مش هسمح إنها تتحط وسط حريمك اللي كل ما واحدة تغلط تطلق و يبقى عقابها تعيش باقي عمرها في زنزانة تحت الأرض، كفاية ظلم بقى... تغيرت معالم وجهه بشكل مخيف لدرجة برزت بها عروق عنقه، إلا أنه عاد إلى طبيعته باللحظة الثانية، وضع المنديل على الطاولة قبل أن يقوم من مكانه مقبلا رأس جدته بهدوء قائلا بنبرة صادقة : _ مش سند الكبير اللي يبقى ظالم يا حاجة بالعكس أنا بجيب حق المظلوم، و لو في واحدة من الحريم دي مظلومة مكنش هيبقى مكانها تحت الأرض زي ما قولتي، عن إذنك... تمسكت حكمت بيده تمنعه من الذهاب، عاد بعينه إليها ليجدها تبتسم إليه بحنان و ثقة مردفة : _ انا عارفك يا غالي يا ولد الغالي بس وعد لا، دي فيها روح كل اللي بنحبهم اوعدني تبقى سند ليها زي ما أنت كدة مع الكل... وضع كفه على رأس جدته قائلا : _ القرار ده في ايدها هي يا حاجة حكمت... --- ترك جدته ذاهبا إلى قطعة من قلبه جعلتها الأيام جسد بلا روح، دق على بابها مرتين قبل أن يدلف للغرفة، نهضت من على فراشها ليظهر جمالها الخاطف للأنفاس... بشرتها الخمرية التي يزينها أنف صغيرة و شفتين ممتلئة بشكل ملفت و ما يزيد جمالها جمال عينيها الزيتونية الساحرة.. هناك مقولة شهيرة نعرفها جيدا أن القمر لا يكتمل أبداً ، و هذا هو حالها اقتربت من شقيقها تضمه إليها بحماس طفلة صغيرة تبحث عن الحنان و الأمان و لا تجدهم إلا معه... بدالها العناق برحابة صدر قائلا : _ كنتي فين الصبح، كدة أمشي من غير ما اشوفك يا همت إنتي عارفة إن يومي من غيرك ولا حاجة صح؟! أومأت إليه بابتسامة مشرقة تضيء حياته، هامسة له بعتاب : _ همت زعلانة من سند... اتسعت عيناه بذهول مردفا : _ لالا همت زعلانة من سند ليه عمل ايه الوحش ده؟!.. ابتعدت عنه قليلا مشيرة إلى دميتها الصغيرة و الدموع تكاد تسقط منها قائلة بنبرة متقطعة : _ همت الصغيرة عينيها طلعت النهاردة يا سند حاولت أعالجها معرفتش.. قعدت أعيط و استنى فيك عشان أنت تعالج عينيها بس برضو أنت مجتش... أزال دموعها ثم قبل رأسها عدة مرات متتالية اخذا منها الدمية هامسا : _ حقك عليا كان عندي شغل هاتي همت الصغيرة أعالج عينيها على ما همت الكبيرة تأكل و تنام شوية... --- عصرا... على الباب الرئيسي لمنزل الكبير كانت تقف السيارة التي تحمل وعد مع محمد و السيدة سناء التي تنظر إليهم طوال الطريق بلا كلمة واحدة فقط مذهولة، خائفة من القادم و ها هم على بعد خطوة واحدة من سند الكبير... حملت حقيبتها إلا أن يد محمد سبقتها بحملها قائلا : _ عيب في حقي لما أبقى شحط كدة و مراتي تشيل شنطتها، قوليلي أدخل الشنط دي فين يا ست سناء... أنتبهت سناء على نفسها أخيرا و استجمعت قوتها مردفة : _ أنت هتقعد في بيت الضيوف اللي في الجنينة أما وعد هتدخل البيت الكبير و لما تعملوا فرح تبقى معاك... أوما إليها بترحاب قبل أن يأخذ حقيبته تاركا حقيبة وعد مع الحارس متجها إلى شقته الصغيرة... عند وعد... بعد عشرة دقائق دلفت وعد إلى غرفة الضيوف الموضوعة بالدور الأرضي، أغلقت الباب خلفها تحاول أخذ أنفاسها، خائفة إلى درجة الرعب، تشعر به قريبا منها بطريقة غريبة... ألقت الحقيبة على الفراش مستخرجة منها ملابس بيتية ثقيلة و هي تقول بضياع : _ فى ايه يا وعد اهدي سند مش هنا مسافر يمكن حاسة بيه لأنك في بيته بس هو في الحقيقة مش هنا، خدي نفس عميق و كوني قوية... دلفت للمرحاض رغم برودة الجو قررت الاستحمام بماء بارد حتى تعود إلى قوتها و رشدها من جديد، بعد دقائق وضعت روب الاستحمام على جسدها الذي يكاد يطلب النجدة من الثلج ثم خرجت... وقفت أمام المرايا تزيل المنشفة عن خصلاتها البنية المموجة مجففة إياها قائلة : _ و بعدين بقى في اليوم ده معقول أكون خايفة منه لدرجة إني بتخيل أنه واقف ورايا... سقط المشط من كفها مع شعورها بأنفاس ساخنة تلفح عنقها و رنين صوته الخشن يأكل أذنيها بابتسامة أقل ما يقال عنها قاتلة : _ مش تخيل يا وعد ده حقيقة إنتي مش بس جوا بيتي أنتي كمان جوا أوضة نومي و لابسة روب الحمام بتاعي.. الفراشة_شيماء_سعيد أصابها الهلع.. تشعر بلمسته، يعانق جسده الصلب جسدها الطري، أنفاسه تتجول على خصلاتها ترعبها و تزيد رغبتها فى البكاء، يا ليتها كانت حبة من الملح لتذوب بتلك اللحظة بلا عودة مرة أخرى... ارتجفت شفتيها ليغمز إليها قبل أن يضع أصابعه على شفتيها يمنعها من الحركة هامسا بفحيح : _ كنتي فاكرة إنك ممكن تهربي العمر كله عن سند الكبير يا وعد... لطالما عشقت إسمها من بين شفتيه و لكن الآن يطوف بداخلها نفور كبير منه، حركت وجهها ليبعد كفه عنها قائلة من بين أنفاسها المتهدجة : _ ابعد ايدك دي عني، مش من حقك تقرب مني يا كبير أنا ست متجوزة.. لو كانت ظلت على الوضع الصامت كان أفضل بكثير لها، لما ذكرته بكارثة فعلتها بعد كارثتها الأولى بالهروب منه، بالفعل تركها و ذهب إلى خزانة ملابسه يخرج منها طقم مريح للنوم ثم ألقى به على الفراش... رفعت حاجبها بذهول من هذه الوقاحة صارخة : _ أنت بتعمل ايه اطلع برة... نظر إليها بسخرية مجيبا : _ الأوضة دي بتاعتي أنا أطلع أروح فين... تخافه هذه حقيقة لا يوجد جدال بها إلا أن غضبها تخطي هذا الخوف لتقترب منه بغضب : _ و لما هي أوضتك أنا بعمل فيها إيه؟!.. أخرج برة بدل ما أصرخ و محمد ييجي... قهقه بمرح قائلا : _ محمد يعرف عموماً مش محمد بس اللي هيعرف ده البيت الكبير كله و الخدام اللي أكيد هيقولوا إنك دخلتي هنا بمزاجك تحت عنيهم... و الفضيحة هتبقى صعبة خصوصاً بروب الحمام بتاعي اللي ملفوف على جسمك... إنتبهت للتو فقط أنها شبه عارية أمام عينيه التي تأكلها و تبتلع تفاصيلها، شهقت بقوة و هي تضع كفها على صدرها تحاول الفرار إلى المرحاض إلا أنه كان الأسبق على الباب : _ على فين من امتا حد يمشي و سند الكبير واقف... على يقين من جنون فعلتها، أخفضت وجهها لعدة لحظات قبل أن تردف بضعف : _ أنت جبتني هنا ليه؟!.. عايز تق/تلني صح... رفع يده ليزيل باقي منشفة الرأس المتعلقة بخصلاتها البنية يتأمل ملامحها عن قرب كأنه لأول مرة يراها، منبهر بوجهها الأبيض المستدير و ملامح وجهها البسيطة، كأنها إحدى أميرات العصر القديم، ضرب مقدمة أنفها بأحد أصابعه قائلا : _ الموت هيكون رحمة كبيرة ليكي و ليا و أنا لا عايز أرحمك و لا حتى أرحم نفسي... مثل الفأر دلفت الي المصيدة بقدميها و لا تشعر أنها بأول خطوات النهاية، لا تعلم من أين أتت لها تلك القوة التي تجعلها صامدة، أردفت بأنفاس متلاحقة : _ من أول مرة شوفتك فيها قولت عليك مريض و لازم تتعالج عند دكتور نفسي، بس دلوقتي بقولك إن حالتك محتاجة إقامة الباقي من عمرك في مستشفى الأمراض العقلية.. أومأ إليها مؤكدا بهدوءه المعتاد : _ وقتها هتكوني في الاوضة اللي جانبي مش أنا وعدتك إنك هتفضلي جنبي على طول قبل كدة... نظرت إليه بغل قائلة : _ الموت عندي أهون بكتير من إني أبقى جانبك يا كبير... عاد الي قرص أنفها مرة أخرى هامسا : _ دخلتي كفر عتمان بمزاجك يا دكتورة و هربتي منه برضو بمزاجك يا دكتورة، بس دلوقتي النفس اللي بين صدرك خروجه بإذن مني أنا... _ أنت قاتل و أنا و أنت عمر ما كان طريقنا واحد أبداً... أبتعد عن باب المرحاض قائلا بقوة : _ مين قالك إني بس اللي قاتل، و الغفير مات على أيد مين يا دكتورة مش على إيدك؟!... يكذب هي على يقين من كذبه، ليلة ضربها للغفير يوم هروبها كانت تعرف بأي مكان تضربه فقط أرادت أن يفقد الوعي ليس أكثر، حركت رأسها عدة مرات تنفي ما يقوله إلا أنه ثبت وجهها بضغط كفه على عنقها مردفا : _ عايزك تخافي يا دكتورة وعد، عشان اللي جاي نار لازم تنطفي بحرق حد، خافي... تركها ثم اتجه الي باب الغرفة ملقيا عليها نظرة أخيرة قبل أن يخرج من الغرفة قائلا : _ بعد ساعة هييجي المأذون يطلقك من حبيب القلب و في نفس اللحظة هنتجوز... البكر مالهاش عدة يا دكتورة... ممنوع تخرجي من الأوضة إلا بأمر من سند الكبير لو عايزة التاني يخرج من هنا فيه نفس.... _______________ على الصعيد الآخر بالشقة القائم بها محمد... انتهى من ترتيب ملابسه و أخذ بعدها حمام دافيء يريح به أعصابه، منذ أول خطوة له بتلك الشقة و رأسه تكاد تنفجر، صداع حاد لا يعرف له سبب... بدل ملابسه ثم قرر بها التجول بالحديقة بهذا الجو الهادئ لعل الهواء النقي يريح أعصابه، المكان رائع و السماء صافية جلس بجوار أحد الزهور متأملا ما حوله.. تعجب من جلوس أحد بجواره، نظر بطرف عينه ليري فتاة يا سبحان من خلقها بتلك الصورة، عينيه تعلقت بها و كأنه لأول مرة يرى فتاة جميلة... اتسعت عيناه بذهول من تعلق يدها بذراعه بطفولية و عينيها غارقة بالدموع، ابتلع ريقه متوترا من حركة كفها الصغير على ذراعه هامسة بنبرة لعبت على أوتار روحه : _ عروستي راحت مني و أنا مش عارفة هي فين عايزاها و بدور عليها من كتير أوي... همت الصغيرة راحت مني... حاول الإبتعاد عنها يبدو أنها فاقدة للأهلية من طريقتها بالحديث، دار بالمكان حوله يبحث عن أحد يأخذها منه إلا أنه لم يجد، زاد بكائها و ألقت بجسدها بين أحضانه... رحب بهذا الاندماج الجسدي، يشعر بحاجته هو الآخر لأخذها بين حنايا صدره، حرك يده على ظهرها هامسا : _ اهدي يا آنسة و قوليلي أنت تبقى بنت مين هنا أو أقدر أساعدك بإيه... زاد تعلقها به أكثر رغم محاولته في الإبتعاد عنها مردفة من بين شهقاتها : _ عايزة عروستي همت الصغننة... وضع يديه على يديها يفك تلك العقدة التي تزين عنقه بأصابعها قائلا بنبرة متهدجة : _ طيب أهدى و بطلي عياط يا صغيرة أنتي، إيه رأيك تمسحي دموعك الحلوة زيك دي عشان تبقى بنت شاطرة و تقومي معايا ندور على همت الصغيرة... ابتعدت عنه تنظر إليه ببراءة شديدة، ظلت صامتة مترددة لعدة ثواني تفكر بحديثه ثم ابتسمت باتساع متحمسة قبل أن ترفع يديها تزيل بهما بقايا دموعها قائلة : _ عندك حق، ماشي يلا بقى قوم معايا ندور على همت الصغيرة قبل ما حد من الوحشين ياخدها مني... قام معها بقلة حيلة، انبهاره بها تحول إلى حالة كبيرة من الشفقة، يسأل لماذا فتاة مثل الوردة الجوري تبقى هكذا؟!.. تعلقت بيده مرة أخرى و يا ليتها لم تفعل انتفض من تلك الرجفة التي أصابت جسدها و جسده... ساعة و نصف يبحث معها على تلك الدمية بلا فائدة، بدأت تفقد الأمل و عادت للبكاء قائلة : _ عروستي ضاعت الأشرار أخدوا العروسة مني... بالفعل هو عاجز على التعامل معها، حرك يده على رأسها مردفا بهدوء : _ اهدي ممكن أجبلك واحدة جديدة خالص... حركت رأسها نافية بقوة و بدأت تدلف بحالة من الانهيار الكلي صارخة : _ لا لا لا أنا مش عايزة غيرها أنا عايزة همت الصغيرة بس... علا صريخها، أتى الحرس الذي وجد نفسه في دقيقة واحدة محصور بينهم و اسود العالم من حوله و آخر ما وصل إلى أذنيه صوتها فقط.... __________ هل ق/تلت روح؟!... سبب هروبها أنها رأته يق/تل هل أصبحت مثله؟! جلست على الفراش و جميع أنحاء جسدها منهارة أزرق من الثلج المحيط به، أغلقت عينيها تلعن تلك اللحظة التي جعلها الحظ تسقط بين يديه... فلاش باااااااك.... بأحد الأماكن البسيطة على النيل نظرت وعد إلى صديقتها صافية بعدم استيعاب قائلة : _ يعني ايه يا صافية كلامك ده، عايزاني أروح أشتغل في كفر عند واحد رافض شغل الستات ده كلام؟!... حدقت بها صافية لعدة لحظات لا تعرف كيف تقنعها و هي نفسها غير مقتنعة و لكن ما باليد حيلة، أخذت نفس عميق قبل أن تجيبها بهدوء : _ و أنا أعمل فيكي ايه يعني روحتي ضربتي الدكتور خالد زميلنا و اترفدتي من المستشفى، و مفيش مستشفى راضية بيكي دلوقتي كله منك و من لسانك و أيدك، وعد أنتي مش بس هتروحي كفر عتمان الكبير أنتي كمان تنسى خالص موضوع إنك ست ده... حركت رأسها بفهم مفتوح تريد منها الفهم بشكل أكبر لتكمل الأخرى حديثها بتوتر : _ هتروحي على إنك راجل زي فيلم للرجال فقط، كل حاجة هتكون جاهزة تعملي نفسك راجل و تشتغلي دكتورة للرجالة اللي شغالة معاه زي الطوارق كدة لحد ما.... قاطعتها وعد بسخرية : _ لحد ما إيه؟!.. يعرف و أروح أنا في داهية مش كدة... أنا مستحيل أقبل بالجنان ده.... بعد مرور أسبوع واحد كانت تنظر إلى هيئتها في المرايا اليوم أول يوم لها تحت مسمى الطبيب شاكر، ابتسمت على حالها بسخرية بالفعل مظهرها كوميدي و ربما مكشوف أمام الأحمق، شارب كبير، خصلات رجولية مستعارة واضحة مثل الشمس و فوق كل هذا و ذاك حواجب مثل فرشة الأسنان بالإضافة إلى ذقن تصل إلى مقدمة صدرها... خرجت من الغرفة لتجد صديقتها تكاد تنفجر من الضحك قائلة بصعوبة من بين ضحكاتها : _ بجد يا وعد شكلك مسخرة أنا مش قادرة أخد نفسي من شكلك، بس كدة زي الفل يا بت مش باين أي حاجة من ملامحك باقي بس صوتك حاولي يبقى خشن بلاش سهوكة بدل ما تشرفي على الأسفلت... رفعت حاجبها ساخرة قبل أن تحمل حقيبتها مردفة و هي تتجه إلى باب المنزل : _ دمك زي الزفت مش خفيف خالص على فكرة، يلا قدامي خليني ألحق القطر و اغور في ستين داهية من وشك... أربع ساعات مروا عليها مثل الأعوام قلبها يحثها على العودة إلى بيتها تنعم هناك بالأمان و الدفيء، و عقلها يأمرها بتكملة هذا الطريق الذي بدأته؛ لتأتي بالمال فحتى بيتها الدافيء لا تستطع العيش به دون مال... نظرت إلى المكان حولها بتوتر من أول خطوة لها بهذا الكفر، سؤال واحد يدور برأسها أين نساء هذا المكان؟!.. اقتربت من أحد الرجال قائلة بنبرة حاولت أن تجعلها رجولية بقدر المستطاع : _ فين بيت سند الكبير لو سمحت؟!... انتفض الرجل من مكانه قائلا : _ بيت سي سند عايزه ليه يا أخ... _ أنا الدكتور الجديد و محتاج العنوان مش أكتر اهدى حضرتك متوتر ليه؟!... سار الرجل أمامها مردفا برعب : _ أنت الحكيم الجديد الله يكون في عونك، يلا أوصلك على أول شارع البيت الكبير و كمل أنت ممنوع حد من أهل الكفر يدخل شارع البيت الكبير... بعد هذا الحديث تمنت لو بقدرتها العودة و كأن شيئا لم يحدث، تركها الرجل على أول هذا الشارع الطويل لتبدا رحلتها لهذا المنزل، شعرت ببعض الأمان مع سماعها إلى أذان العشاء تؤكد لنفسها أن الله معها، أردفت بداخلها بذهول من هذا المنظر الخاطف للأنظار : _ يا الله على الجمال معقول ده بيت عادي جوا قرية في الريف؟!... سمعت صوت كلاب خلفها لتدور بجسدها صارخة بفزع قبل أن تلقي بنفسها بأحضان هذا الغريب صارخة : _ يا مامي كلاب.... __________ الفراشة_شيماء_سعيد تعلقت بعنق هذا الغريب كطوق النجاة لها من تلك الكلاب المفترسة، طال الصمت و اختفى صوت الكلاب رويدا رويدا... بدأت تأخذ أنفاسها المسلوبة و عم على قلبها الاطمئنان، حلت ذراعيها بعيدا عن عنقه لتجده يقف جامدا و الكلاب خلفه على بعد مسافة بسيطة.. ابتلعت لعابها بعدما علمت أن سرها انكشف من قبل أن تبدأ بالعمل، معالم وجهها غير ظاهرة إلا أن من يراها عن قرب يعلم كم هي بريئة، طفلة صغيرة ضائعة... ابتعدت ليحاول هو إخراج صوته من هذا العناق الطري الذي لا يدل على رجولة من كان بين ذراعيه، أشار الي أحد رجاله بأخذ الكلاب قبل أن يتحدث بوقاره : _ مين أنت و دخلت البيت الكبير إزاي؟!.. اهدئي يا وعد أنتِ الآن بداخل براثن الصقر، حمحمت قبل أن تخرج صوتها بنبرة خشنة : _ أنا الدكتور وحيد، الدكتور الجديد للبيت الكبير و عايز أقابل السيد سند... ضرب بعصاه الأرض متجها إلى القاعة الكبيرة جالسا على مقعده، صارت خلفه و مع دخولها علمت أنها أمام سند الكبير، أردفت برأسها بحسرة : _ معقول هموت من أول دقيقة ليا في المكان ، روحتي في داهية يا وعد... وضع هو ساقا على الآخر هاتفا : _ اه أنت الحكيم، شغلك هيبدأ من بكرة هتروح مع الغفير شقتك، إياك تخرج منها إلا بطلب مني أو تفتح ليها شباك سامع... أومأت برأسها عدة مرات كل ما ترسم إليه الآن هو الفرار من هذا الرجل، ذهبت إلى الشقة خلف الحارس و أغلقت الباب خلفها سريعا قبل أن تزيل تلك الأشياء التي تأكل بوجهها قائلة : _ أنا رميت نفسي وسط النار و كان عندي فرصة إختيار، يا رب أنت عالم بحالي عدي الأيام المرعبة دي على خير... رفعت هاتفها بعد سماعها إلى الرنين الخاص بصديقتها لتجيب عليها بغل: _ الله يخربيتك يا صافية الكلب، أنا تعملي فيا كدة، ده فيلم رعب مش كفر، الراجل لوحده شكله قتال قتلة.. أنا تقريبا عملتها على نفسي و رايحة استحمى، يلا غوري في داهية... على الجانب الآخر قهقهت صافية بمرح قائلة : _ متخافيش دة راجل عادل خليكي بس في شغلك و نفذي الأوامر و كله هيعدي بسرعة... أغلقت الهاتف بوجهها دون أن ترد عليها، حالها ينطبق عليه المثل الشهير " اللي ايده في المياة مش زي اللي ايده في النار"، أزالت كل ما عليها ثم ركضت إلى المرحاض تحتمي به... شهر كامل مر عليها بداخل تلك الشقة لا تفعل شي فقط تنتظر أمر منه بالخروج، ملت من هذه الحالة، تأخذ مرتب أكثر من أحلامها و لكن بلا عمل، انتهت من ارتداء ملابسها الرجالية و وضعت الأشياء على وجهها ثم قررت الخروج من هذا السجن... فتحت الباب و أخذت تتجول بالحديقة، المكان هنا أكثر من رائع، شهقت فجأة برعب عندما سمعت الغفير خلفها يقول بقوة : _ إزاي تعصى أوامر سيدنا يا حكيم، قدامي السيد سند أمر تكون عنده.... سارت معه إلى نفس القاعة لتجده يجلس، أمرها بالوقوف أمامه ثم أشار إلى الغفير بالخروج، أخذ نفس من سيجاره قبل أن يردف بهدوء ما يسبق العاصفة : _ خرجت ليه من شقتك هو أنا طلبتك؟!... خائفة هذا حقيقي إلا أنها بنفس الوقت متمردة، نال العناد من عقلها لترفع رأسها بقوة قائلة : _ أنا جاي هنا عشان أشتغل دكتور مش مسجون، باخد فلوس على إيه و أنا لا بشتغل و لا بتحرك من الشقة حتى... ضرب المقعد بكفه قبل أن يقول بغضب : _ أنت هنا تحت أمري و بس، المرتب ده عشان وقت ما أعوزك تكون موجود، أدخل شقتك يا حكيم و اعتبر إن دي آخر غلطة ليك... من هو ليتعامل بتلك الطريقة مع البشر؟!.. يأمر و يتكبر كأنه مخلوق على الكوكب بمفرده، زاد غيظها منه لتقول : _ مش من حقك تقول إني تحت أمرك أنا هنا أشتغل بمزاجي، الناس مش عبيد عندك عشان أفضل بين أربع حيطان لحد ما جنابك تؤمر أنا بقدم استقالتي مش هكمل في الظلم ده... حمقاء لدرجة أنها كانت تتحدث معه بنبرة صوتها الحقيقية، مع أول مواجهة بينهما كشفت أمرها، ظل يسمعها بهدوء يريد أن يحفظ نبرة صوتها إليه، أنتهت من حديثها ، ليترك هو ما بيده ثم قام من مكانه... أصابها الهلع من تلك الخطوات المدروسة التي تقترب منها، للحظة علمت خطاها لتتسع عيناها بذهول وتجمعت الدموع بمقلتيها لا تريد الموت الآن و بهذا المكان الذي لا يعرفها به أحد... ارتجفت شفتيها شاهقة بعدما جذبها لتبقى داخل أحضانه... رفع أصابعه ممررا إياهم على بشرتها الناعمة هامسا بنبرة ساخنة : _ من أول مرة حضنتك فيها وقت الكلاب و جسمك الطري اللي زي المهلبية وقع تحت أيدي قولت مستحيل ده يبقى جسم راجل، حتى ريحتك كلها بتقول انا ست زي القمر كمان... أخذ نفس عميق من عطرها الفطري قبل أن تأخذ يده الطريق إلى إزالة تلك الأشياء الغريبة الموضوعة على وجهها، لتظهر أمامه ملامح القمر ليلة أربعة عشر.. شقت الإبتسامة وجهه قبل أن يلقي ما علي وجهها بالأرض قائلا : _ اممم مش قولت قمر، وصفي ليكي ظلمك قوليلي بقى الحلو بيعمل إيه هنا و فين الدكتور وحيد؟!... سقطت دموعها بخوف مردفة بتقطع : _ مفيش حد اسمه الدكتور وحيد، أنا الدكتورة وعد عبد الله و جيت هنا بلبس راجل لأنهم قالوا مفيش ستات بتشتغل في الكفر ده، أنا كنت محتاجة للشغل صدقني... ابتعد عنها ليرى ارتجافها بوضوح ثم رفع حاجبه بتفكير قائلا : _ و أنا أصدقك إزاي يا دكتورة بعد ما دخلتي هنا بكذبة و كبيرة كمان... عضت على شفتيها و هي تزيل دموعها بظهر كفها قائلة : _ أنا مش كدابة دي الحقيقة، لو كنت بتشغل ستات مكنتش أنا عملت كدة، أي واحدة محتاجة شغل هتعمل كدة، بس خلاص أنا مش عايزة أي حاجة غير إني أخرج من هنا... رفع أحد أصابعه و حركها محل دموعها ليأخذ أكبر قدر منها عليه ثم نظر إليهم بداخل كفه مردفا : _ أنتي فعلاً كذبتي، و بعدين مفيش ستات بتشتغل في كفر عتمان الكبير عشان احنا رجالة مفيش ست تجوع و لا تحتاج لفلوس طول ما في راجل، و اللي جوزها ميت أو مالهاش راجل كل طلباتها عندي و من مالي، يعني لو كنتي طلبتي فلوس بدل الكدب كنت أديتك... ردت عليه بغضب شديد لا تقبل تلك الإهانة أبداً : _ أنا مش شحاتة عشان أطلب منك فلوس أنا دكتورة و عايزة شغل، اللي أنت بتقوله ده لما أبقى قليلة الحيلة أو معنديش مهنة أكسب منها بدل ما أشحت و أمد ايدي ليك أو لغيرك... أعجبته تلك اللعبة و ربما تكون زوجة جديدة له ، سند الكبير لأول مرة يريد الإطالة في الحديث مع احداهن، حديثها لا يروق إليه أبداً، لا يحبذ العناد و خصوصاً معه.. أردف بجدية : _ تبقى غبية يا دكتورة لو شايفة ان ستات الكفر قليلات الحيلة أو في واحدة منهم بتمد ايدها و تشحت، أنا الكبير و ده حقهم عليا، روحي شقتك لحد ما أعرف هعمل فيكي إيه... همست برعب : _ تقتلني صح؟!.. أنا مش عايزة أموت دلوقتي لو سمحت... وضع يده خلف خصلاتها قائلا و عينيه تحفظ تفاصيلها اللذيذة : _ لأ اللي زيك خسارة في الموت، بس البيت الكبير من زمان محتاج حرمة تنوره... هتجوزك يا بت... ______________ في الثانية بعد منتصف الليل، حملت حقيبتها و ارتدت ملابسها الرجالية ثم فتحت باب الشقة و بدأت عينيها في التجول بالمكان حولها بريبة، لن تظل بهذا الكفر ساعة واحدة هذا المجنون سيأتي غدا بالمأذون... جدته و باقي عائلته مثله.. الرحمة انعدمت من قلوبهم، خائفة من السير بهذا الوقت إلا أنه لم يعد أمامها حل آخر، أخذت تمشي بقدم ثقيلة خطوة إلى الأمام و مائة إلى الخلف حتى اقتربت من البوابة... توقفت فجأة مع سماعها إلى صريخ أحدهم يطلب النجدة من الحديقة الخلفية، لا تعلم لما تركت حقيبتها بالأرض و بدأت تمشي خلف الصوت حتى وصلت إلى بوابة و سلالم تحت الأرض تقريبا... كلما اقتربت كلما زادت الصرخات الواضح منها أنها لرجل، تجمدت مكانها مع رؤيتها لسند يصوب مسدسه على رأس رجل كبير أسفل قدميه قائلا : _ كام مرة قولتلك تمن الخيانة لازم يكون الموت، كام مرة قولتلك أنت تحت عيني و حاسب من وقت حسابي، غبي يا شوقي غبي، قول الشهادة يمكن تنفعك يوم القيامة... صرختها بإسمه جعلت كل شيء يتوقف، رفع رأسه لها ربما بصدمة و ربما بتوعد، حركت رأسها نافية لما يحدث قائلة بتهدج : _ أنت مجرم عايز تقتل إنسان، أنت.. أنت لازم تدخل السجن اللي زيك لازم يتعدم في ميدان عام، مين أدى ليك الحق تقتل روح مهما عملت، أنا مش هسكت هبلغ عنك و هاشهد بده... حديثها متفرق غير مفهوم و حالتها أكثر سوءا من الحديث، أقتربت من الملقى على الأرض تساعده لكي يقف هاتفة : _ قوم معايا يا عمو أنا مش هخرج من هنا إلا بحضرتك بس حاول تقوم... يتابع بلا ردة فعل، ينتظر نهاية ما بدأته هي، أصابها الذهول مع بعد الرجل عنها صارخا : _ ابعدي عني أنا غلطت و مستني عقاب الكبير و راضي حتى لو بالموت على ايده.. رفعت بصرها له لتجده يرفع حاجبه لها بابتسامة و كأنه يقول أرأيتي؟!.. نزل إلى مستواها ساحبا كفها إليه قبل أن يأخذها للخارج قائلا : _ اعمل اللازم أنت يا فاخر و بعدها هات المأذون عايزه الليلة مش بكرة... ______________ الفراشة_شيماء_سعيد بكل قوتها تضرب على باب تلك الغرفة الذي وضعها بها أسيرها ثم اختفى، رأت بالكثير من المسلسلات الرجل الظالم و كان يراودها سؤال هل يوجد على أرض الواقع أناس بتلك الطريقة !!!! و ها هي ترى أرض الواقع بسهولة... عائلة بالكامل لا يوجد بداخل أحدهم القليل من الرحمة، عالم آخر بعيد كل البعد عن عالمها البسيط، أصاب جسدها الإرهاق لتجلس على أرضية الغرفة باكية أين هي صافية لا تعرف؟!.. ضمت ساقيها إلى صدرها تسيطر على ارتجاف كل جزء منها، صوت أقدام رقيقة تقترب من باب الغرفة جعلها تنتظر طوق النجاة بترقب، فتحت الباب فتاة بأوائل العشرينات بجمال شرقي أصيل و على وجهها ابتسامة مشرقة.. اقتربت منها مردفة بقلق : _ بتعيطي ليه يا مرات أخويا؟!.. حد زعلك في الدار و الا إيه... انتفضت وعد بجنون صارخة : _ مرات أخو مين أنتي كمان هو أنا ناقصة مصايب، العيلة دي شكلها كلهم مجانين في بعض... شهقت الأخرى قائلة : _ بس اسكتي أحسن يسمعك سند و الا ستي الجدة وقتها مش هيطلع عليكي نهار، أنا بس قولت اجي أطمن عليكي مكنتش اعرف إنك مش طايقة حد فينا.. أزالت وعد دموعها بابتسامة ساخرة ثم ردت عليها : _ و أطيق حد منكم ازاي و أنتوا خاطفيني، سبيني لوحدي لو سمحتي... ظهر الحزن على تعبيرات الأخرى قبل أن تقول بتوتر : _ أنا آسفة همشي و مش هاجي هنا تاني، كان نفسي بس نبقى أصحاب مش أكتر، حقك عليا... قلبها لعين به حنان يغطي العالم و يفيض، عضت على شفتيها قبل أن تردف بتردد : _ استني أنا آسفة مكنتش أقصد أزعلك، طيب قوليلي أنتي مين عشان نتعرف على بعض... عاد الإشراق إلى وجه شقيقته لتشير إليها بحماس متجهة إلي باب الغرفة تغلقه ثم جلست بجوارها على الأرض مردفة : _ أنا همت أخت سند الوحيدة لما عرفت أنه ناوي يتجوز تاني فرحت أوي و جيت أتعرف عليكي... ساعة كاملة من النقاش و المرح و عقل وعد واقف عند جملة واحدة "يتزوج ثاني" هذا الرجل متزوج و ربما لديه أطفال، لطالما حلمت بفارس أحلامها و ها هي تسقط من أرض الأحلام إلى كارثة الواقع.. إعجابها به من أول لقاء أو لنقول عناق يسقط بكل ثانية جزءا منه، بهتت معالمها... يوم وقوعها بالغرام يكن بحب رجل قاتل متزوج لا يشبهها بأي شيء... دلف الغرفة بطلة مميزة من أول طقمه الصعيدي الرائع إلى رائحة عطره التي تأخذ من رائحة جسده الكثير، نظرت إليه بطرف عينيها و هو يضم شقيقته التي ركضت إليه قائلة : _ صباح الخير يا سندي... أبتسم إليها قائلا : _ صباح النور على أجمل بنت في كفر عتمان، قلب أخوها بتعمل إيه هنا بقى؟!.. أشارت إلى وعد بابتسامة طيبة قائلة : _ كنت بتعرف على وعد يا كبير و طلعت طيبة أوي، هو أنا ممكن أخدها عندي الأوضة بدل ما تقعد هنا لوحدها... قبل رأسها بهدوء مردفا : _ دلوقتي روحي افطري و شوية و نيجى وراكي يلا.... أغلق الباب خلف شقيقته و عينه تأكلها ، يود معرفة ما يدور بداخلها و ربما ما بداخله هو، لماذا بعد ما رأته و تخطت حدودها معه يحتفظ بها؟!. أخذ نفس عميق براحة نفسية من رعبها هذا، خائفة و هذا يعطي له الكثير من القوة ليكمل ما بدأه معها، نزل إلى مستواها على ساق واحدة ثم بأحد أصابعه يرفع وجهها إليه بذقنها قائلا : _ خايفة من إيه هو أنتي عملتي حاجة يتخاف منها؟!.. ده المفروض تكوني في سعادة و هنا يا عروسة... بتحدي كبير ضربت يده من عليها، تستفزه و تقولها صريحة أنت ليس بالعالم بمفردك، أجابته من بين أسنانها : _ السعادة و الهنا دول لما أبقى أخدت الراجل اللي بحلم بيه مش أنت، و أنا مش بخاف من حد إلا ربنا.. اللي زيك أكيد ميعرفش حاجة زي دي، لو أنت آخر راجل في الدنيا مستحيل أتجوزك ، بتعمل كل ده عشان خايف أبلغ عنك يا مجرم... حملها رغما عنها و جلس بها على الفراش، مستمتعا جداً بالحديث معها حتى لو خطأ عليها، يرى بها المرأة الذي أراد أن تحمل طفله بداخلها، متأكدا أن هذا الطفل سيكون خليط رائع بين القوة و الذكاء... أخذ شفتيها الصغيرة يضغط عليها بأصابعه هامسا : _ تؤ أنا أضمن سكوتك بأكتر من طريقة غير الجواز و أسهلها الموت، بس أنا مستخسرك في الموت، اللي زيك لازم ييجي منها نسل الكبير ، عايز منك كل سنة عيل أو اتنين لحد ما توصلي لسن اليأس... وقح و هذه الوقاحة جديدة عليها هي معتادة على الاحترام و التقدير من الجميع ، عضت أصابعه التي تضغط على شفتيها بقوة إلا أن هذا لم يزيده إلا إصرار ، قائلة : _ نسل إيه و سن اليأس ايه يا قليل الذوق و الأحترام ، طالما مش عايز تقتلني بقى فأنا بقولك مش هتقرب مني إلا لما تمطر في شهر سبعة... يضحك معها من أعماق قلبه، لعبة جديدة تعطي للحياة بعض اللذة، سارت عينيه على جسدها بالكامل يحفظه و ربما يتخيله على الطبيعة، جذبت شرشف الفراش على نفسها يشعرها كأنها عارية ليقول هو بنبرة صارمة قبل أن يخرج من الغرفة : _ معاكي عشر دقايق عشان تكوني على الفطار تحت لو اتأخرتي ابقي استني الغدا... الساعة اتنين... ___________ بغرفة السفرة... دلف في موعده مثل كل صباح ليجد جدته و شقيقته بانتظار قدومه، أشار إلى شقيقته بالجلوس جالسا هو الأخر على مقعده، دقيقة و جاء موعد الطعام ليبدأ بطعامه... و بين كل حين و الآخر تراقب عينيه الدرج منتظرا قدومها لا يتمنى أن تتمرد حتى لا يعاقبها، ضيقت السيدة حكمت عينيها قائلة بعدم رضا : _ إيه حكاية جوازك و حكاية البت اللي فوق دي يا سند؟!.. من امتا ليك في لعب العيال ده... وضع قطعة من الفطيرة الساقطة بعسل النحل قائلا بهدوء : _ من امتا سند الكبير بيلعب يا حاجة؟!... دي هتبقى مراتي و هتحمل نسلي و بيها هيكبر إسمى و إسم عتمان الكبير... رغم بساطة حديثه و هدوءه إلا أنه كان حاد محذر ، تعلم حفيدها لذلك أردفت بقلق : _ طول عمرك راجل و كبير، بس أنا خايفة عليك يا ولد الغالي من الموضوع ده، كبير الكفر هياخد بت من براه و كمان عايزها هي اللي تشيل نسلك... أومأ إلى جدته قائلا : _ أيوة يا جدة هي دي أم الكبير من بعدي و مرات الكبير من دلوقتي... تدخلت همت بالحديث مردفة ببراءة : _ أيوة يا جدة، دي طيبة أوي و كمان حلوة أوي عيالها من سند هيبقوا حاجة في الجمال ده مالهاش وصف... ابتسم سند على طفلته و ابنته البكر التي مهما كبرت ستظل كما هي صغيرة، نظر إلى ساعته متبقي دقيقة على انتهاء العشر دقائق و بعدها سيتصرف معها... وصل إليهم رنين حذائها على الدرج بخطوات مترددة، دلفت للغرفة مقتربة من المقعد المجاور لهمت إلا أن قاطعها بصوته : _ بوسي كف الحاجة حكمت الأول و بعدين تعالي أقعدي على الكرسي ده... أنهى حديثه و هو يشير إلى المقعد المجاور له، رفعت حاجبها باعتراض إلا أن نظرته كانت غير قابلة للنقاش، نفذت أمره مقبلة يد تلك السيدة لتضع كفها الآخر على رأسها بحنان قائلة : _ تسلم تربيتك يا بتي أقعدي افطري بس بعد كدة الساعة 8 تكوني على السفرة... أومأت بلا تعبير و ذهبت للجلوس بالمكان الذي أمرها به، هي أضعف من الوقوف أمام وجه تلك العائلة الآن.. بدأت تأكل ليقول هو : _ الليلة هييجي المأذون و الفرح هعمله بعد فرح همت و حمد الشهر الجاي لما يرجع حمد من السفر، يعني عشان تاخدي عليا أكتر.. _ ربنا ياخدك... همست بها بصوت لا يكاد يخرج من فمها إلا أنه سمعه ليقول و هو ينظر إلى طبقه : _ و اه صحيح أنا بسمع حركة النملة... تنحنحت هامسة بتوتر : _ هو أنت.. أقصد حضرتك يعني متجوز؟!... _ لأ.. مطلق خمسة قبلك ادعيلهم بالرحمة الست تطلق مني من هنا و عمرها يخلص من هنا كأن روحهم كانت متعلقة فيا... سبحان الله... ______________ مر الشهر عليها سريعا بين الخوف من القادم و التحدي الدائم له، شهر واحد كان كفيلا بقلب الموازين لتقع الطبيبة بحب قاتلها، عشقت أدق التفاصيل البسيطة به، تنتظر وجبات الطعام على أحر من الجمر حتى تجمعها به سفرة واحدة... لم استسلمت لما هو قادم لتكون زوجته و أم نسله كما يريد، أسرته أصبحت أسرتها رغم معاملة زوجة عمه السيئة لها... و ها هو آت اليوم المنتظر يوم زفاف همت على البشمهندس حمد الذي سيأتي بعد ساعات قليلة من السفر... أغلقت باب غرفتها خلفها و هي تضم فستانها الجديد هامسة : _ الفستان ده هيبقى الذكرى الوحيدة و الأخيرة بنا يا سند... ألقت على نفسها نظرة راضية بالمرايا قبل أن تقول بتوتر : _ أنتي قوية يا وعد و هتقدرى تعدي المحنة دي و تبقى أقوى، روحي له قولي اللي في قلبك كله يا عالم هنتقابل تاني و الا لأ... خرجت للحديقة تعلم أنه سيكون بها ليتابع ما يحدث بحفل الزفاف، اقتربت منه بخطوات رشيقة هامسة بصوت وصل لقلبه : _ سند... نطقت اسمه من بين شفتيها، لحظات مرت و هو يقف كما هو يغلق عينيه و يردد صدى صوتها برنين إسمه مستمتعا، يا الله على الروعة و الجمال.. أعادت كلمتها لتخرج منه آه مستمتعة، سيطر قليلا على انفعالاته و دار بجسده لها مردفا : _ خير يا دكتورة... _ اسمي وعد... قالتها بهيام واضح على ملامحها مثل الشمس لتبدأ دقات قلبه بالارتفاع هامسا : _ مش فاهم... ابتسمت إليه مردفة : _ عايزة أسمع اسمي منك من غير دكتورة... ابتسم إبتسامة ماكرة ملامح الخبث و العبث الرجولي أخجلتها، جذب طرف وشاحها إليه قائلا : _ و الدكتورة عايزة تسمع إسمها مني ليه... حرارة جسدها أصابتها بالتعرق إلا أنها صممت على إكمال حلاوة اللحظة، ابتلعت لعابها مجيبة : _ هو لما القلب يدق في وجود حد و العين تلمع، ريحته تحسسك بالأمان و صوته يعالج كل جروحك يبقى ده ايه، لما جسمك كله يرتعش من لمسته مع إنه مبسوط بيها يبقى ده ايه ده؟!... هو نفسه لا يعرف ما تصفه هي، نفس شعوره و نفس رغبته الملحة بالاقتراب منها، لسانه أجاب دون أن يسأل عقله أو ينتظر تفكيره : _ يبقى ده حب... _ يبقى أنا بحبك بحبك أوي يا سند و دي غلطة عمري كله... فرت من أمامه بعدما أعطت إليه إعتراف مغلف بالندم و قلة الحيلة، اختفت بنفس اللحظة التي وضعت بداخله أول نبتة لقصة حب أنتهت، لم ترحل من أمامه فقط بل رحلت بلا عودة، تركت روحه معلقة بها و روحها معه تبعد عن هذا الحب المحكوم عليه بالإعدام من البداية.... بالمساء... بالحديقة... بدأت مراسم حفل زفاف الشقيقة الوحيدة لكبير الكفر، و الجميع في انتظار قدوم العروسين، أما هي استغلت الزحام و خرجت من الباب الخلفي ملقية عليه نظرة أخيرة بأعين باكية : _ امشي يا وعد يلا امشي أنتي مش شبهه و لا هو كمان شبهك لأزم تمشي... شكله حلو أوي و هو بيرقص بالعصايا... توقفت فجأة مع رؤيتها للغفير يقترب منها صارخا : _ ست الناس لازم تدخلي جوا دلوقتي قبل ما سي سند يعرف إنك عايزة تهربي أنا خايف عليكي... _ أنا آسفة... قالتها قبل أن تأخذ أحد المقاعد الموجودة و تسقط بها على رأسه.... انتهى الفلاش باااااك.... الفراشة_شيماء_سعيد في غرفة وعد... انتبهت على صوت الباب لتقوم من تلك الدوامة التى غرقت بها بالماضي، قامت من مكانها بثقل تزيل أي أثر لدموعها ثم فتحت الباب، ابتسمت إلى تلك المرأة التي لم ترى منها شر أبداً رغم شدتها و قوة شخصيتها... بحنان أم فتحت لها ذراعيها لتلقي بنفسها داخل أحضانها تود أن تشعر بالقليل من الأمان بين أسوار هذا البيت المخيف، حركت السيدة حكمت كفها على خصلاتها قائلة : _ ليكي وحشة يا وعد، بقى كدة تنسي جدتك حكمت سنتين كاملين... أغلقت وعد عينيها ثم أخذت نفس عميق قبل أن تقول بحزن طفيف : _ حقك عليا يا تيتة بس صدقيني كدة أحسن ليا و ليكم إحنا مش شبه بعض... أخذتها السيدة حكمت من كفها و دلفت بها للغرفة مغلقة الباب خلفهما ثم جلست بجوارها على الفراش لتنام الأخرى على صدرها، ابتسمت العجوز قائلة بعتاب : _ قلوبنا كلنا اتعلقت بيكي حتى قلب سند، ليه يا بنتي البعد، ليه فتحتي باب جهنم على نفسك؟؟ سند مش بيكره في حياته اد الكذب و الغدر... قالت بقهر : _ الوجع مش ليكم بس كان ليا أنا كمان، وجودي من البداية في الكفر ده كان غلط كبير، الكبير كان عايزني أبقى جارية له يعمل فيها كل حاجة و كمان تبقى أرنبة كل يوم عيل، أنا مستحيل أعيش الحياة دي مع واحد مفيش جوايا له أي مشاعر... بمكر قرصت السيدة حكمت وجهها ثم قالت بعيون خبيرة : _ من امتا فينا من الكدب يا وعد، بقى عيونك اللي كانت بتطلع قلوب عمرها ما حبت سند عليا أنا الكلام ده؟!... يا بنتي ليه مصممة تتعبي قلبك و قلبه و قلوبنا كلنا معاكي... هربت بعينيها منها هامسة بتوتر : _ كان وقتها انبهار كبير من شخصيته.. وقتها كنت هبلة و أول مرة أشوف شخص كدة بس أنا خلاص كبرت و فهمت، تيتة أنا عايزة أمشي أنا و جوزي من هنا من غير غدر سند أو مشاكل منه، الكلام فات أوانه أنا دلوقتي ست متجوزة لو فعلاً ليا مكانة عند حضرتك.. ساعديني أمشي من هنا... أومأت العجوز بصمت، معها حق عن أي حب تتحدث و الأخرى تزوجت و انتهى الأمر... الصرخات الآتية من الأسفل جعلتها تنتفض لتفتح الخادمة الباب بلا سابق إنذار صارخة : _ الحقي يا ست الناس... وقفت السيدة حكمت مستندة على عصاها قائلة بقوة : _ في إيه يا بت اخلصي... ابتلعت الخادمة ريقها قائلة برعب : _ الست همت نزلت الجنينة من غير ما نحس بيها و الغفر جابوها من شوية بتبكي و تصرخ، و الغفير بيقول إن جوز الست وعد كان معاها و هو السبب في اللي حصل ليها و سيدي سند أمر بحبسه في المخزن... سقط قلبها أرضا، سند يلعب معها بزوجها الذي ليس له دخل بأي شيء يحدث، نظرت إلى السيدة حكمت التى كل ما يهمها الآن حفيدتها فقط، قائلة بغضب : _ مش قولتلك يا تيتة حفيدك ناوي على غدر، أنا مش هسمح له يقرب من محمد ده على جثتي... تركتها السيدة حكمت و نزلت إلى محل وجود همت لتنزل هي الأخرى لتطمئن على همت و ترى هذا اللعين، اقتربت من همت قائلة بلهفة : _ همت يا حبيبتي مالك... ابتعدت همت عنها برعب لتتعحب هي من الموقف إلا أن جدتها قالت بهدوء و هي تضم حفيدتها : _ معلش يا وعد همت تعبانة و مش فاكراكي عشان كدة خافت منك، اهدي بقى يا قلب جدتك... تركت وعد المكان متجهة إلى غرفة المكتب، لن تترك زوجها بين يدي سند الكبير.... ____________ بغرفة المكتب... فتحت الباب بلا سابق إنذار، ليظل على حاله يتابع الأوراق أمامه بهدوء، اقتربت منه بغضب أعمى ثم ضربت على المكتب بقوة صارخة : _ مالك و مال جوزي يا كبير عايز منه ايه؟!... إلى هنا و انتهى هدوءه المزيف، ألقى القلم من بين أصابعه على الأوراق و أزال نظارته الطبية ثم قام من مقعده و عينيه عليها يتابع رد فعلها، نزل بصره إلى صدرها الذي يعلو و يهبط ليعود لوجهها الذي يطلق منه نيران نارية، بأقل من ثانية كانت محصورة أمامه و الفاصل بينهما خطوتين قائلا بنبرته الحادة : _ عيدي كلامك تاني يا دكتورة عشان كنت مركز في شغلي مش في الطريقة الهمجية اللي دخلتي بيها.... لا تنكر توترها و خوفها من نظراته إلا أنها حدقت به بتحدي قائلة : _ لأ سمعت كويس يا كبير بس مش عايز ترد، الكلام مش جاي على هواك، و آخر حاجة تهمني إن الكلام ييجي على هواك أنا عايزة جوزي و بس يا سند... شهقت بألم من ضغط كفه على فكها و كفه الآخر يقيد شفتيها، لمعة عينيه مرعبة كأنها ألقت عليه قطعة من النيران أصابته بمنتصف وجهه، يحترق من نظراتها و حديثها الذي يأكله بلا رحمة، حرك وجهه يمينا و يسارا ثم همس بفحيح : _ كلمة سند الكبير على رقبته، و أنا بقولك لو عايزة لسانك يبقى بين ايديك انطقي كلمة جوزي دي تاني، أدفنك و آخد العزا قبل ما غيري ينام جانبك على سرير واحد.... كلمة سند الكبير سيف علي رقبته لو خرجت منه سيفعلها لو روحه بها، حاولت التحرر من بين يديه إلا أنه ضغط عليها أكثر لتصرخ بقوة : _ ابعد أيدك عني أنت بتوجعني... ابتسم إليها بملامح مخيفة قائلا : _ ما أنا عايز أوجعك يا روحي، اتوجعي و خافي يا وعد عشان تقدري تعيشي... رفعت عينيها لتقابل عينيه، كلمات لم يقدر اللسان على قول كلمة منها قالتهم العين، إلى أين سيصل معها لا يعرف و لا يود أن يعرف، تعلق بها لتأخذ عينيه جولة رائعة على وجهها الجميل، سحرها البسيط يجذبه و يجعل بداخله رغبة مميتة بتذوق تلك الفاكهة المحرمة ، حبست أنفاسها و شعرت بالتعري أمام عينيه التى تأخذ منها ما يريد صاحبها، بللت شفتيها الجافة بطرف لسانها قبل أن تقول بتوتر : _ مش عيب على الكبير أما يبقى نفسه في حاجة مش بتاعته؟!.. إبتسم لها بخبث و هو مازال كما هو مردفا بنبرة لعوبة : _ لأ مش عيب خصوصاً لما تبقى الحاجة دي مكتوب عليها مباح للجميع، بس مش الكبير اللي يدوق حاجة خارجة من بوق غيره... أصابها الغضب ، قدر بكل جدارة على كسر قطعة من روحها، ترقرقت الدموع بداخل مقلتيها بكبرياء أنثى مقهورة إلا أنها ردت عليه بجمود : _ صدق اللي قال البجاحة ليها ناسها، الحاجة اللي خارجة من بوق غيرك دي نفسها هي اللي بتجري وراها، لآخر مرة بقولك سيب جوزي بدل ما أبلغ عنك.. البلد دي فيها حكومة يا كبير... أبتعد عنها و عاد للجلوس على مقعد مكتبه يباشر عمله، الكلمة تردها ألف كلمة مع أنه لا يريد منها إلا الصمت، هو مغلول من إسم هذا اللعين الذي تحمله من المفترض أن تحمل اسمه هو، منذ متى يريد امرأة و لا يقدر على الحصول عليها؟!... جن جنونها من بروده لتأخذ الأوراق من أمامه بحركة جنونية و تلقي بها على الأرض صارخة : _ بطل البرود ده بقولك جوزي فين يا سند، محمد ملوش علاقة بأي حاجة حصلت في البيت ده من سنين، لما أكلمك تبص و ترد عليا فاهم... رفع حاجبه بتساؤل كأنه يقول لها "حقا"، سند ظهره على المقعد واضعا ساقا على الآخر قبل أن يشير لها على باب الغرفة قائلا بصرامة : _ قولتلك خافي على لسانك بس شكله عامل ليكي مشاكل و عايزة أقطعه، أخرجي برة حالا بدل ما أنولك المراد و تعيشي الباقي من عمرك خرسة... _ و لا يهمني أعلى ما في خيلك اركبه، مش هسكت على...... اااااه.. قالتها و هي تشعر بعدم لمس ساقيها للأرض حملها على ظهره صاعدا بها إلى غرفته وسط صريخها الذي لم يعطي لها أو له أي إهتمام، وصل للغرفة ليدخل بها و يغلق بابها بقدمه، ألقى بها على الفراش لتصرخ بألم قبل أن تقول : _ إيه الهمجية و الجنان ده، أنت فاكر بالطريقة دي مش هاخد حقي... سحب الحزام من على خصره ضاربا به الفراش بجوارها مردفا بتحذير : _ مش لما أعمل ليكي حاجة ابقي خدي حقك، مش هقفل عليكي الباب بالمفتاح ، بس عايزك تخرجي من باب الأوضة دي و وقتها اياكي تلومي حد إلا عنادك و غبائك، فاهمة... مازال يرى لمعة التحدي ليعطي لكفها الموضوع على الفراش ضربة خفيفة ثم قال بصرامة أشد : _ فاهمة عايز أسمع ردك... لأول مرة تشعر بالعجز و قلة الحيلة أمامه هو، لأول مرة تعلم أنها بلا سند أو يد تمسح دموعها و تربت على ظهرها، ابتلعت ريقها بقهر و حسرة هامسة بنبرة متقطعة : _ فاهمة مش هخرج، بس خرج محمد بلاش تسبب له أي أذى بسببي هو ملوش أي ذنب، بلاش تزيد على ظلمك لكل الناس ظلم... شعر بنشوة لذيذة مع نطقها لإسم غريمه بلا كلمة زوجي، أزالت الملكية و هذا يرضي ما بداخله، ارتدي حزامه مجيبا ببرود قبل أن يخرج من الغرفة : _ اسمعي الكلام و لما أبقى مزاجي رايق ممكن أخرجه، مش بس من الحبس تحت لأ ممكن كمان من البيت كله على رجله سليم و ده انجاز عظيم.... _____________ بعد عدة ساعات... بمخزن بالبيت... يعلم أن نهايته على يد وعد بيوم من الأيام، من ليلة أمس و هو ملقى بتلك الغرفة التي لا يرى بها حتى بصيص نور من الشرفة، ماذا فعل لكل هذا لا يعرف... تنهد بعمق مع إغلاق باب المكان وراء أحدهم، أمامه احتمالين الخروج أو القتل و بكلا الأحوال ستكون نهاية هذا السجن... جلس من دلف على أحد المقاعد فقال بسخرية : _ منور يا أستاذ محمد.. أجابه الآخر بمرح متوتر : _ منور ايه يا باشا أنا مش شايف حاجة هو هنا مفيش نور على الأقل نتعرف على بعض... أردف سند بضيق : _ لأ في بس أنا مليش مزاج له، خلينا نتكلم مع بعض شوية في هدوء، قولي بقى مالك و مال الهانم الصغيرة قربت منها أصلا ليه؟!.. بالبداية لم يعرف من هي، إلا أن طيفها الرائع مر أمام عينيه ليبتسم بشكل تلقائي مثل الأحمق قائلا : _ هي جت و طلبت مني ندور على عروستها همت الصغيرة قعدت أدور معاها و لما فقدت الأمل قولتلها هجبلك واحدة جديدة فضلت تصرخ لحد ما لقيت رجالتك جايين بيا هنا من غير أسباب... تعجب سند من حديثه هل شقيقته ذهبت إليه بنفسها رغم أنها تخاف من الجميع، و فوق كل هذا و ذاك نبرة صوته التي ربما سمعها من قبل و يعلم هوية صاحبها، قام من مكانه مردفا و هو يقترب من زر الإضاءة : _ هنا في قواعد يا أستاذ و أولها إنه ممنوع خروجك من الشقة إلا بأمر مني عشان كدة أنت هنا، تقدر تقول قرصة ودن... _ هو إحنا في مدرسة مش هنطلع إلا بإذن المدير؟!.. قهقه سند بطريقة لا تمت للمرح بصلة ثم قال بعدما أضاء المكان : _ لأ مش في مدرسة، أنت في دار الكبير في كفر عتمان الكبير، خليك هنا يومين تلاتة لحد ما تعرف تعيش هنا إزاي طالما مطول معانا يا جوز الدكتورة... أخذ محمد ثواني مغلقا عينيه ليعتاد على الضوء بالمكان ثم فتحها قائلا بغضب : _ سند بيه أنا مش شغال عندك و لا حتى مراتي ، دي فترة مؤقتة و هنمشي بس طالما دي طريقة الحياة هنا نبقى نمشي من دلوقتي... و شكرا جداً لحد دلوقتي على كرم الضيافة يا كبير... _ فاكر نفسك ممكن تخرج من هنا تبقى بتحلم.. قالها سند و هو يدور بوجهه إليه لأول مرة يرى غريمه وجها لوجه عن قرب، ماذا بهذا الأحمق حتى تهرب منه و تأخذه هو ؟!.. الغباء كله منه لأنه صدقها بالماضي عندما رفضت عقد قرانه عليها بحجة أنها تريد عقد القران ليلة الزفاف... أول ما عينه وقعت على زوجها أصابه الجمود غير مصدق لما يراه، أردف بتردد و بلا وعي : _ أنت... حمد... ____________ الفراشة_شيماء_سعيد تملكته الصدمة لعدة لحظات مع رؤيته لخطيب شقيقته الهارب بليلة الزفاف زوج وعد، ترك المخزن مشيراً للغفير بغلق الباب صاعدا إليها و الدماء تغلي برأسه.. فتح باب غرفتها لتقوم من فراشها برعب تحاول ستر جسدها التي تظهر بعضه ملابسها البيتية المكونة من فستان نوم يصل إلى بعد ركبتها و بدون أكمام، رفعت الغطاء عليها قائلة بذهول : _ إيه قلة الأدب دي إزاي تدخل كدة هي وكالة من غير بواب... عقله بعيدا كل البعد عن تفكيرها الأحمق هو لا يرى جسدها من الأساس أو يركز به، واقف عند نقطة واحدة أهي هربت بليلة زفاف شقيقته مع زوجها؟!.. هل هي حقيرة لتلك الدرجة دون أن يأخذ حذره منها،أغلق الباب بساقه و عيناه تضرب عينيها مثل الرصاص، جذبها من مقدمة ملابسها لتقف أمامه ثم قال : _ جوزك ده اتعرفتي عليه امتا و إزاي، انطقي... لم تفهم نبرة صوته و لا حتى نظرة الاتهام الواضحة بعينيه، ابتلعت لعابها بخوف قائلة : _ ووو... و أنت مالك بج.... قاطعها بكفه الذي ضرب به فمها بخفة ، لا يوجد أي وقت للعناد و المناقشة قلبه يحترق و كل ما يريده الآن الارتياح، تحسن صورتها أمامه بأي كلمة و هو سيصدقها، لمعت عينيه بالشر قائلا من بين أسنانه : _ بلاش لف و دوران كتير، الزفت اللي تحت ده أول مرة شوفتيه كانت امتا و فين، و إياكي تكذبي سامعة إياكي... عضت على شفتيها بوجع خفيف، يستحيل أن تقول الحقيقة، تعبيرات وجهها درسها بشكل دقيق، متوترة، خائفة، تحاول الهروب، تفكر بكذبة تخرج بها من الموقف رغم تحذيره لها بعدم الكذب، صمت مريب ينتظرها و هي لا تجد إجابة إلا أن صريخه بها أفاقها : _ ووووعد... نطقه لاسمها بتلك النبرة و النظرة بها تحذير واضح، أزالت يده من على فمها ثم أردفت بنبرة متهدجة و أنفاس متسارعة : _ دي حاجة خاصة أنت دخلك فيها إيه، عايز تلعب و تضيع وقت في قصة حياتي و اتعرفت على جوزي إزاي عشان بس يفضل محبوس عندك، قولتلك قبل كدة خليني أمشي أنا و هو من هنا من غير غدر... من منهما الذي يريد اللعب هو أم هي التي تلعب ببراعة؟!.. ابتعد عنها مبتسما نصف إبتسامة حكمت على نفسها بالإعدام و خسرت جزء كبير من قلبه، أغلق باب الغرفة بالمفتاح من الداخل ثم اتجه إلى المرحاض ليقف مع حديثها الغاضب : _ أنت بتعمل ايه و رايح فين بالظبط... أجابها بسخرية : _ سلامة النظر، عندك ضعف فيه و الا ايه، زي ما أنت شايفة داخل حمام اوضتي عشان أستحمى قبل ما أنام... صرخت به بجنون يفقدها دائماً صوابها و يأخذها إلى طريق مغلق : _ لا دي شكلها هبت منك على الآخر، عايز تنام في اوضة نوم واحدة مع ست متجوزة راجل تاني... وضع المنشفة على عنقه من الخلف قائلا ببراءة لا تليق أبداً به أو بما يرتبه لها : _ اثبتي إنك متجوزة من راجل تاني و هاتي قسيمة جوازك و بطاقة جوزك وقتها بس هتبقي مرات راجل تاني غير كدة أنتي ملك سند الكبير يا وعد... قسيمة زواج؟!... بطاقة زوجها؟!... توقف عقلها عن التفكير للحظات أو ربما لدقائق أو ساعات، بكلمات بسيطة أدخلها بدوامة ليس لها نهاية لم تشعر بنفسها إلا و هو يضرب خدها بهدوء مردفا : _ إيه روحتي فين يلا زي الشاطرة تاخدي مخدة و الغطا اللي مكفنة نفسك بيه ده و على الأرض أو الكنبة اختاري... _____________ قامت من حضن جدتها النائمة بجوارها، تريد الذهاب إلى ذلك الغريب الذي كان يبحث معها عن عروستها، سعدت كثيرا باللعب معه أخذت تتحرك على أطراف اصابعها حتى لا يشعر بها من بالمنزل... دارت حول نفسها بخوف يا ليتها تعود إلى غرفتها و تلعب معه بالصباح، جزت على أسنانها بطفولية و غيظ فهو غير موجود ببيته، أين هو و كيف تصل إليه الآن؟!.. رأت الغفير يقترب منها بتوتر قائلا : _ ست الناس تؤمري بحاجة؟!... أومأت إليه بحزن قائلة : _ فين اللي كان هنا الصبح أنا عايزة أشوفه؟!... بلهفة أشار لها الغفير عن مكان وجوده مردفا : _ اتفضلي يا ست الناس هو جوا هنا تعالي معايا... ذهبت خلفه بحماس لرؤيتها إليه من جديد دلفت لتجده جالس على الأرض مغلق العينين، عقدت حاجبها بتعجب مردفة و هي تقترب من محل جلوسه لتجلس بجواره : _ أنت نمت من قبل ما ندور على العروسة قوم بقى عشان أقولك أنا لقيتها فين... فتح عينيه مبتسما تلك الفتاة لغز عجيب إلا أنه مستمتع بالعودة إلى سنوات من الطفولة معها، طفل صغير يبحث عن لعبته و هذه أكبر مشاكله يا الله لا يوجد أجمل من ذلك، اعتدل بجلسته حتى يكون مقابلا لها ثم قال بحماس : _ لقيتي العروسة يا أستاذة همت... حدقت به بغيظ قائلة : _ إيه أستاذة دي بتتريق عليا عشان أنا مش بحب المذاكرة... حرك رأسه بسرعة نافيا لا يريد اغضابها، فقط يود قضاء أكبر وقت ممكن معها، أجابها : _ لأ مش بتريق عليكي قوليلي الأول لقيتي العروسة فين و بعدين ابقي قوليلي مش عايزة تذاكري ليه ماشي... أومأت إليه و بدأت في الحديث معه بعفوية، تتعامل كأنها تعرفه من سنوات رغم خوفها من الجميع حتى أقرب الأقربين، تخشى التعامل مع أي شخص بالمنزل بخلاف سندها و جدتها و هذا الغفير الذي كان يتحدث معها فهو بداخل منزلهم من سنوات... ضحكت بمرح متحدثة : _ العروسة مكنتش ضايعة أنا بس نسيت إن أبيه سند أخدها يعالج عينيها و دلوقتي جابها من عند الدكتور... رد عليها باهتمام شديد : _ طيب و المذاكرة اللي عليكي بقى يا شاطرة مش بتذاكري ليه؟!.. مدت شفتيها إلى الأمام بحزن : _ الكلام صعب عليا أنا مش بحب الحاجات دي بس أبيه سند مصمم و كمان الميسات كلهم وحشين و مش بيحبوا همت أبداً أبداً... من ذلك الأحمق الذي لا يحبها و هي قابلة للأكل بمظهرها و بساطتها تلك، نهر نفسه بشدة أهو ينظر إلى فتاة مريضة ببراءة طفلة لا تعي أي شيء عن أفكاره القذرة، انتبه إلى حركة كفها أمام وجهه بغضب : _ روحت فين مش بترد ليه، بتنام و أنت قاعد و الا ايه؟!... ابتسم إليها ثم قال بلا وعي : _ ايه رأيك لو أذاكر ليكي أنا بدل المدرسين.. _ بجد طبعاً موافقة... __________ في الثانية بعد منتصف الليل... جسدها يطلب النجدة من شدة الألم الذي يأكلها، الأرض كسرت عظمها اعتدلت بجلستها، شهقت من الاعتدال فجأة، أخذت تلعنه من بين أسنانها و تلعن اليوم الأسود الذي رأته به، وضعت كفها على رقبتها و ظهرها هامسة بغل : _ الله ياخدك يا بعيد مش عارفة أتحرك... أقوم إزاي أنا بس.. قامت مثل شخص قائم من حادث سير تنظر للفراش الذي ينام عليه الآخر بسلام، لم تشعر بنفسها إلا و هي تأخذ الوسادة من على الأرض و تلقى بها على وجهه بغضب قائلة : _ معدوم الرجولة بقى نايم مرتاح كأنها اوضتك و سيبني كدة على الأرض، و معدوم الدين كمان مخمود معايا في نفس الأوضة يا واطي... _ خلصتي قلة أدب و الا لسة؟!... اتسعت عيناه من استيقاظه و سماعه لها مع إن صوتها منخفض، أخذ الوسادة من على وجهه ثم ألقاها بكل سهولة على هدفه المحدد لتستقر على وجهها.. صرخت بوجع قوي قائلة : _ ايه يا جدع أنت فاكر نفسك بتهزر مع غفير من بتوعك، وشي وجعني... أجابها بسخرية و هو مازال متسطح : _ مهو أنا مش عايزها بس توجعك عايزها تكسر رقبتك بس أوعي تخافي هجبسك... عند الدكتور فتحي في الزريبة تحت... لماذا لم تنقض عليه و تنزل بكفها الرقيق على وجهه لتريح قلبها؟!.. بالحقيقة لا تعلم... لا هي تعلم خائفة من جبروت هذا الرجل، رفعت رأسها بشموخ مردفة التشهد قبل أن تجيبه : _ و أنت بقى يا سند بيه فاكر إن أي دكتور ينفع معاك ينفع معايا؟!.. هبت بعدها عاصفة لتغلق عينيها بقوة منتظرة الضربة من أي مكان بلا سابق إنذار، طال انتظارها و لم تشعر بشيء، فقط تسمع تكسير أشياء من حولها، فتحت عين ترى بها ما يحدث و الأخرى مغلقة بأمان، لتجده كسر الطاولة الموضوعة بجانب الفراش، عادت إلى إغلاق الاثنتين مرة أخرى... حاول بقدر المستطاع السيطرة على رد فعله، رغم أنه مستمتعا بها إلا أنها تخطت جميع الحدود، ضرب الطاولة ضربة واحدة ليريح أعصابه المشدودة قليلا، بالنهاية لم يتحمل يريد التهام تلك الفتاة ليتخلص منها... قام من على الفراش بخطوات سريعة قبل أن يجذب الغطاء الموضوع بأحضانها إليه لتأتي مع الغطاء بشكل لا إرادي، ابتسم رغما عنه مع مظهرها الطفولي الرائع قائلا بهدوء : _ اتعلمي لما تكوني مش اد الكلمة إياكي تخليها تخرج من بين شفايفك لأنها هتكون خلاص اتحسبت عليكي و لازم تتحملي رد الفعل... افتحي عينيك... هزت رأسها برفض ليهمس لها بخبث ذكوري واضح من اللهجة و التلاعب بالكلمات : _ شكلك كدة بيقول حاجات مش كويسة، أنتي صاحية في نص الليل و عملتي كل ده ليه يا وعد، مش أنا قولتلك قبل كدة يا روحي ماليش في الحرام... نجح بمهارة بإثارة غضبها، فتحت عينيها قائلة بنبرة غاضبة : _ أنت تقصد ايه؟ إحترم نفسك، أنا صحيت من وجع ضهري و جسمي مش أكتر و لما لقيتك نايم مرتاح قولت اديك بحاجة على دماغك عشان أقلق منامك زيي، أوعى دماغك تروح لتفكيرك القذر زيك ده... ضم شفتيها على بعضهما بكفه قائلا بغيظ : _ أنتي عارفة لو تبقى خرسة يا بت هتعيشي حياتك بسلام رهيب.. يلا غوري اتخمدي مش عايز أسمع عليكي نفس تاني... عدي ليلتك اللي شبه الكفن اللي لافة نفسك بيه ده... _ و لو قولت مش هتنام معايا في اوضة واحدة لو مش خايف مني أو من الراجل الغلبان اللي مستقوي عليه و حابسه تحت ده... و محلل لنفسك تنام مع مراته في اوضة واحدة، خاف من ربنا و الا مش خايف منه تبقى مصيبة.... أصابته بمكان قاتل بكل براعة، ضغط على كفه بقوة عجز عن إصدار أي ردة فعل، أخذ ينظر إليها لبضع ثواني لترد إليه النظرة بأخرى متحدية، تغيرت معالم وجهه بشكل كامل و ارتفعت دقات قلبه بعنف، ابتعد عنها سريعا متجها لباب الغرفة قبل أن يردف بقوة : _ خدي بالك المهزلة دي مش هتفضل كتير، أنا صابر بمزاجي يا دكتورة و الغلبان اللي تحت ده لسة حسابك عليه مجاش و لو طلع اللي في بالي صح هخرج بروحك، اتخمدي... _______________ بعد مرور ساعة أخرى... ارتدت ملابس الخروج خاصتها تاركة كل ما يخصها هنا حتى ملابسها لا تريدها ، فقط ستأخذ محمد و تعود إلى الإسكندرية من جديد.. نزلت إلى الحديقة لتجد الغفير يجلس بمكانه مثل العادة، أخفت نفسها خلف الجدران منتظرة معجزة من السماء تجعله يقوم من هنا، مرت ساعة أخرى و بدأ أذان الفجر ينتشر بالكفر، أخذت نفس مرتاح مع قيام الغفير للصلاة... ذهبت سريعا لتلك الغرفة التي رأت سند يعذب بها أحد الرجال من قبل لتجد بابها شبه مفتوح تعجب بالبداية إلا أنه لا يوجد أي وقت للتفكير، دلفت لتجد محمد نايم براحة شديد عضت على شفتيها بغضب و هي تضربه بصدره هامسة من بين أسنانها : _ قوم يا موكوس، ليك قلب تنام و أنت مخطوف كأنك نايم في بيت أبوك... استيقظ الآخر بفزع من حركتها تلك وجدها أمامه ليقول بعدم فهم : _ وعد أنتي بتعملي ايه هنا، لو الكبير شافك هيطلع بروحي و روحك.. ضربته من جديد قائلة : _ الله يكسفك يا شيخ فين رجولتك و أنت خايف منه كدة، بقى ده كلامك ليا زمان أنا سندك و ضهرك و محدش هيقدر يقرب منك... _ هو ده وقت حساب يا وعد أنا متنيل على عيني مربوط هعملك إيه ده أنا مش قادر أدافع عن نفسي أنتي قولتي إنه مفتري بس مقولتيش إنه لما بيجوع بيأكل فخد بني آدم.... أغلقت عينيها لعدة ثواني فهذا الرجل لا يوجد به أي فائدة ثم فتحتها مرة أخرى مردفة بنفاذ صبر : _ طيب يلا يا سبعي نهرب قبل ما الغفير و سي سند ما ييجوا من صلاة الفجر، خليني أنقذك و أنقذ نفسي... أجابها بضيق : _ نمشي ليه بس يا وعد أنا لقيت شغل كويس هنا هدي همت دروس... صرخت فجأة بغل : _ محمد أنا مش بهزر سند ممكن يقتلك قوم بقى.... _ جوزك بنفسه مش عايز يمشي يا دكتورة.. القعدة هنا جات على مزاجه.... ____________ تجمدت ساقها بالأرض ارتعبت من رنين صوته الذي يتردد بداخل اذنيها، رمقت محمد بنظرة حارقة أهو فقد عقله أم ماذا ليريد البقاء هنا؟!... بكل خطوة تحاول بها الإبتعاد عن هذا الحب الأحمق تعود إلى نقطة الصفر من جديد، شعرت بأنفاسه التي يأخذها براحة شديدة، كل هذه الأشياء مؤشرات صريحة أنها أصبحت مكشوفة أمامه، ابتلعت لعابها قبل أن تتجاهله قائلة : _ يعني ايه مش عايز تمشي يا محمد؟!.. ابتلع محمد الآخر لعابه برعب غير قادر على نطق كلمة واحدة فهو تحت تهديد السلاح، رسم على وجهه إبتسامة متوترة مردفا : _ نمشي ليه يا وعد سند بيه جاب ليا شغل معاكي و هنعيش هنا بعد الجواز إحنا لينا مين في إسكندرية عشان نرجع ليها... وضعت كفها على رأسها بجنون تكاد تنفجر، ما يحدث الآن فوق طاقتها ها هو سند يفرض سيطرته على أي شخص يخطو باب حياته، عضت على شفتيها ثم قالت بعدم فهم : _ أنت مستوعب بتقول إيه، سند بيه ده حابسك هنا من إمبارح و الله أعلم عايز يعمل فيا و فيك إيه إزاي فجأة بقيت عايز تعيش هنا.... رد عليها بهدوء : _ أنا مش محبوس هو بيحب أخته جداً و كان فاكر إني سببت ليها أي أذى و أي راجل في مكانه هيدافع عن أهل بيته... قاطعته بصريخ يشوب به الرجاء : _ و أنت مش بتدافع عن أهل بيتك زيه ليه بقولك أنا خايفة و عايزة أمشي... هذه المرة أجابها الواقف خلفها يسمع فقط دون قول كلمة، أخرج يده من جيب البنطلون متقدما منها بخطوات ثابتة جاذبا إياها من الأرض : _ مش لما تبقي من أهل بيته الأول، تقدري تقوليلي فين قسيمة جوازك منه بلاش دي فين بطاقة البيه و بيشتغل إيه و فين يا؟!... عجز لسانها عن الإجابة هو ليس زوجها و لا تعلم له إسم من حال الأصل، صمت محمد هو الآخر ينتظر منها أي إجابة يتمنى لو يرتاح و يعلم من هو، وعد صديقة عمره أو ليكن صادقا الشخص الوحيد الذي يعرفه قبل فقدانه للذاكرة... نظر لسند و كأنه يقول حديثك حقيقي هي تعلم من أنا.... رأسه عادت به للساعات الماضية التي تحدث به مع سند فلاش بااااك قال بهدوء : _ ازيك يا حمد... رفع محمد رأسه إليه بقوة يشعر و كأن هذا الإسم مألوف عليه، أشياء مختلطة بدأت تتحرك بداخله هل هذا الاسم بفعل إسمه؟!... من هذا محمد؟!.. حاول القيام من مكانه بلهفة مردفا : _ حمد مين أنت تعرف حد بالإسم ده؟!.. من الواضح أنه نفسه لا يعلم من هو و الإجابة الوحيدة بيد وعد التي كان عندها منذ قليلا و رفضت قول أي كلمة، تقدم من الآخر و فك قيود جسده قائلا : _ هو أنت مش عارف أنت مين؟!.. هو طفل صغير ضائع بلا هوية، حرك رأسه نفيا قبل أن يقول بقلة حيلة : _ أنا محمد جار وعد عملت حادثة فقدت فيها الذاكرة معنديش أهل فوقت في المستشفى لقيت معايا وعد قالتلي اسمي و من وقتها إحنا مش بنفارق بعض... وصل إلى ما يريده خطيب شقيقته فاقدا للذاكرة و منقذه هي وعد الهاربة، بدأ يربط الخيوط واحدة تلو الأخرى، قبل أن تخرج منه تنهيدة قوية وعده ملكية خاصة إليه من البداية للنهاية، أشار للآخر قائلا بقوة : _ أنا هقولك أنت مين بس بشرط تنفذ المطلوب منك من غير غلطة واحدة، وقتها كلنا هنعرف أنت مين... انتهى الفلاش بااااك... خائفة من الفقدان اعتادت على وجوده بحياتها ليكون لها خير السند و الصديق، دون إرادة أغرقت دموعها وجهها ليشعر بقبضة كبيرة بقلبه هذا الضعف البادي عليها يصل إليه شعوره بالعجز، تبحث عن الأمان بكل مكان بعيدا عنه. نظرت إليه بقلة حيلة لا تعلم ماذا سيفعل بها بعدم يعرف أنها أمامه بمفردها دون حماية، أشاحت بوجهها بعيدا عنه قبل أن تقول لمحمد بصدق : _ أنت بالنسبة ليا أمان فضلت أدور عليه سنين طويلة بعد موت بابا و ماما، ممكن بعد اللي هقوله دلوقتي ده أنزل من نظرك و تشوف إني إنسانة أنانية بس صدقني انا و أنت طوق النجاة لبعض... لم تقدر على تكملة الحديث انهارت أكثر و أصبح بكائها بصوت، رق قلب محمد لها ليجذبها إليه قائلا بقوة و يده تزيل دموعها : _ وعد أنا مهما عرفت ده مش هيغير وجهة نظري عنك أو حبي ليكي في حاجة، هفضل سندك و أخوكي اللي بتستخبي فيه من الدنيا كلها، بس أنا محتاج أفهم الحقيقة على الأقل أعرف أنا مين... أومات إليه عدة مرات ثم أردفت بتقطع : _ أنا مش هقدر أفيدك في حاجة أنا معرفش أنت مين، كذبت عليك في المستشفى لما قولتلك إنك صديق عمري و أهلك ماتوا مع أهلي في حادثة ده مش حقيقي، لما هربت من الكفر شوفتك على أول الطريق العمومي واقع و الموتور بتاعك فوقك، نزلت من التاكسي و ساعدني السواق عشان نروح المستشفى، السواق هرب مكنش عايز يتحمل أي مسؤولية و أنا فضلت جنبك لحد ما فوقت، حسيت إن ربنا بعتك ليا عشان تبقى سندي إحنا الاتنين كنا محتاجين لبعض، كذبت أنا عارفة بس كانت نيتي خير.... لم تتحمل هذه المواجهة لوقت أطول و تهرب من سماع اي كلمة تؤلمها أكثر لتستسلم لعقلها الباطن و تسقط فاقدة الوعي..... استقبلها بذراعيه القوية بقلب لأول مرة يشعر كيف يكون الخوف، حملها و عينيه تتفقد وجهها الشاحب و أنفاسها الغير متزنة همس باسمها لعل صوته يطمئن روحها : _ وعد... _______________ خرج الطبيب من غرفتها معلقا لها محلول و حقنة منومة تساعدها على الارتياح ،.... تعجب جميع من بالبيت الكبير على بقاء سيدهم بجوارها اليوم كله، يجلس على المقعد المقابل للفراش يتأمل ملامحها الصافية بنقاء، أول شيء لفت انتباهه لها جمالها الذي تخطي الحدود رائعة مميزة بكل تفاصيلها... غابت الشمس و أخذ القمر دوره مكانها و هو كما هو تائه بها لم يشعر بمرور الوقت، انغلق العالم عليهم و هذا يكفي مثله مثل أي رجل يفقد صوابه أمام امرأة قادرة على سحب أنفاسه من بين حنايا صدره... يده تجبره لتلمس وجهها ينعم قليلا بهذا النعيم الطري تحت أصابعه، ناعمة، سلسة، ساحرة رغم بساطتها، اقترب منها قليلا مخرجا نفسه بقوة من بين شفتيه لترفرف خصلاتها البندقية، تشبه هي القهوة بكل شيء لونها رائحتها حتى طعمها لذيذ مصاحب لمرارة أكثر إثارة و لذة... وصل إليها رائحة أنفاسه الرجولية الدافئة مع إنتهاء مفعول المنوم، أجبرتها رائحته على الاستيقاظ لتفتح عينيها بكسل رويدا رويدا، وجدته أمامها بملامحه الوسيمة التي تخطفها دوما إليه ، ردت عليه ابتسامته الحلوة بأخرى أكثر حلاوة... ثانية و عادت إليها ذكريات كل شيء لتنتفض من مكانها... خسرت حتى محمد، حدقت به بكراهية شديدة قبل أن تأخذ الدموع مجراها معها، بلهفة وضع كفه عليها هامسا : _ اهدي يا وعد مفيش أي سبب للدموع دي أنا جانبك... انفجرت به صارخة : _ مين طلب منك إنك تبقى جنبي، أنت قفلت كل الأبواب في وشي عشان أرجع هنا تحت أمرك، ضيعت مني كل حاجة تقدر تقولي استفدت ايه لما محمد بعد عني؟!.. أنا أقولك أنت ارتحت منه، عايزني من غير حماية عشان تفرض سيطرتك و جبروتك عليا، أنا مش مراته ده صديقي و أخويا و لما عرف بقصتي معاك قالي لو أنت عرفت اني متجوزة هتبعد بس أنت زدت ظلم و انعدام ضمير، افهم بقى أنا مشيت عشان مش عايزة أفضل معاك قولتلك أنا مش شبهك و لا ينفع يجمعني بيك طريق ابعد عني بقى حرام عليك... كلماتها كانت قاسية أصابت مكانها الصحيح، شخصيته ليس بها الجانب الحنون المراعي حتى لو روحه بها، ابتعد عنها ساندا ظهره على المقعد ثم أردف بهدوء : _ و لما جيتي لحد عندي و قولتي بحبك وقتها مكنتيش تعرفي إن طريقنا مش واحد و إننا زي المياه و النار؟!... حركت رأسها بكل الاتجاهات بطريقة هيسترية مرددة : _ كنت عارفة إننا مستحيل نشوف بعض تاني بعد ما أنا أمشي، قلبي قالي أقولك مشاعري وقتها عشان يبقى بنا ذكرى حلوة لكن أنت صممت تجبني هنا... هل الغضب معدي لينتقل لهيبه المشتعل، قام من مكانه ضاربا المقعد الذي كان يجلس عليه ليبقى أربع قطع قبل أن يصرخ بها بجنون : _ بقولك ايه يا بت أنتي جنان أنا مش ناقص جنان، بلا طريقي بلا طريقك أنتي بتعشقي التراب اللي أنا بمشي عليه و أنتي دخلتي مزاجي و عايزك، و أظن مفيش أحسن من الحلال لكل دة ، بطلي جنان و فوقي... ردت عليه بريبة : _ يعني إيه دخلت مزاجك أنت مش بتحبني... أبتسم عليها بسخرية، هي رغم سنها صغيرة لا تفهم معظم الأشياء، حرك رأسه نافيا قبل أن يستعيد هدوءه مردفا بجدية : _ بصي يا وعد أنتي لسة صغيرة و مش فاهمة حاجة مشاعرك عفوية و بسيطة، أنا راجل قولتلك متجوز قبل كدة كام مرة عشت أي مشاعر ممكن تخطر على بالك و فهمت يعني إيه حب و يعني إيه مزاج، الراجل و الست بينهم علاقة جسدية بيستمتع بيها الاتنين تحت إطار الجواز و المودة و الرحمة، و عشان الإنسان مش عايز يعلق كل حاجة على العلاقة دي اخترع كلمة بحبك اللي برضو بتوصل في النهاية لنفس العلاقة، أتمنى تكوني فهمتي و طلعتي الأفكار الغريبة دي من دماغك، بلاش نفضل نلعب لأنك بتحبيني زي ما بتقولي و أنا بصراحة بدأت أمل من أفكارك و عقلك الصغير ده، عايزك يبقى عايزك ليه نفضل نلف، أنتي دلوقتي تعبانة ارتاحي لأني خلاص وقت الهزار انتهى... تصبحي على خير يا وعد ، شوية و بنت من اللي تحت هتجيب ليكي الأكل و الدوا... _____________ بصباح يوم جديد استيقظت وعد ألقت نظرة عابرة على المكان من حولها ثم أزالت شرشف الفراش من على جسدها لتظهر بيجامتها البنفسجية القصيرة، تكاسلت يمينا و يسارا ثم قامت من مكانها متجهة للمرحاض... على الصعيد الأخر... بالأرض الخاصة بسند الكبير كان يقف يباشر العمال و بجواره رجله الأمين فاخر، أشار بيده لأحد العمال قائلا : _ ماله ده يا فاخر كأنه شغال غصب عنه... و أول مرة أشوفه هنا.. أجابه فاخر بتوتر : _ ده أبو الولد جعفر بيشتغل في الأرض هنا مكان ابنه لحد ما ابنه يخف من الزفت اللي بقى بيشربه... صمت فاخر فجأة مع أخذه لتلك اللكمة القوية التي أسقطته أرضا، لم يقدر على رفع عينه بسيده الذي تحدث بغضب : _ مين طلب منك تشغل الراجل اللي اد جدك ده مكان ابنه؟!.. مين اداك الحق تأخد قرار عني... _ يا باشا أنا... قاطعه بلكمة أقوى من قبلها مردفا بأمر : _ غور من قدامي لو عايز تفضل عايش الباقي من عمرك... اقترب من العجوز الذي يحاول رفع الصناديق من الأرض ليأخذهم منه مردفا : _ أقعد ارتاح و بعدها روح بيتك مرتب ابنك و تمن علاجه لحد ما يرجع زي الأول عليا أنا و حسابك على الكذبة دي أنت و هو بعدين لما تقف على رجليك أتحرك.... لفت انتباهه صوت هاتفه ليرفعه لأذنه و يسمع الطرف الآخر عدة ثواني قبل أن يقول و هو يجز على أسنانه : _ إياك تسيبها تخرج و أنا جاي... بالبيت الكبير... وقفت أمام الغفير بغضب صارخة : _ أنت عايز تمنعني من الخروج مين أمرك بكدة... _ أنا اللي امرته بكدة يا وعد، روح أنت يا عوض... بخطوات ثابتة أخذ يقترب منها لتشعر بتوتر غريب و تعود للخلف بشكل تلقائي، رفعت أحد أصابعها تشير إليه بتحذير بعدم الاقتراب، رفع حاجبه بنصف إبتسامة و تقدم منها أكثر حتى أصبح بينهما خطوة واحدة... عنيدة و هو يحب هذا العناد إلا أنه ببعض الأوقات لا يحبذ هذا خصوصاً أمام أحد، صمته هذا بث الرعب بقلبها لتحاول الفرار ليكون كفه هو الأسرع بحبس يدها بين يديه، يشعر بالثلج النابع منها لا يعلم إذا كان هذا خوف أم نفور... همس إليها بجملة بسيطة : _ أعمل فيكي ايه؟!... رغم بساطة ما قاله إلا أنها اعتبرت هذا تهديد صريح، يحاول بشتى الطرق فرض سيطرته عليها و محو شخصيتها، استفزازها لأقصى درجة لتحاول إزالة يده بعيدا عنها قائلة بحنق : _ ابعد ايدك دي عني... مانع خروجي ليه خايف أهرب منك و الا حاجة؟!... ببرود ضغط على كفها أكثر ثم قال : _ تهربي من سند الكبير طب ازاي؟!... لأ مش خايف تهربي بس عايز أعرف الحلوة رايحة فين في الكفر بلبس العوالم ده من غير إذن.... جزت على أسنانها تخفي ألمها مجيبة عليه بسخرية : _ آخد إذنك ليه؟؟ أنا بس شغالة هنا يا سند بيه و خارجة أتفسح عشان هبدأ شغل من الصبح بالمجان لكل الكفر و أبقى آخد المرتب منك يا أبو الواجب يا إبن الأصول... قرر أخذ هدنة حتى لو لأيام معدودة يرتب بها أفكاره، تنفس بهدوء ثم أومأ إليها قائلا : _ ماشي يا وعد طلباتك أوامر اشتغلي مجاني و مرتبك عليا أنا أهم حاجة عندي راحتك... حركت وجهها بنفس السخرية قائلة و هي تبتعد عنه بعدما حرر يدها : _ أنا لا باخد منك الإذن و لا بأطلب منك ، ده قراري و بس برضاك أو غصب عنك هعمله.... ____________ بعد مرور شهر... بالوحدة الصحية.. تعينت وعد بالوحدة الصحية بمساعدة سند، أزالت نظارتها الطبية بعدما كتبت الدواء لأحد الأشخاص، دلفت إليها الممرضة و هي تحمل صينية عليها ما لذ و طاب، حدقت بها وعد متعجبة ثم قالت : _ إيه ده يا سناء؟!... ابتسمت إليها الأخرى بمحبة ثم وضعت الصينية على المكتب مزيلة عنها الغطاء ليظهر الفطير اللذيذ مع العسل الأسود و طبق كبير من فاكهة، أشارت إلى الفطير مردفة : _ ده فطار يا دكتورة من عند ست الحبايب أمي قولت لازم تدوقي الفطير الفلاحي الأصيل، يلا مدى أيدك عشان يكون بنا عيش و ملح... أومات بابتسامة متحمسة و بدأت بتذوق الطعام، راحة نفسية عجيبة و رائحة المحبة بدون مقابل، سناء فتاة بسيطة منذ أول لقاء معها و هي تحبها تتعامل و كأنها تعرفها و تربوا سويا، أخذت نفسها بعد بضعة لقيمات ثم أردفت : _ الحمد لله شبعت قولي لوالدتك إن الأكل تحفة تسلم ايديها، احنا كدة خلاص أمشى و الا في حالات تانية... ردت سناء و هي تكمل طعامها : _ لأ إحنا كدة الحمد لله خلصنا دلوقتي... الإستقبال بتاع الطوارئ فتح نمشي إحنا بقى.. أومأت وعد بهدوء و قامت لترتب ملابسها و مكياجها قبل العودة للبيت الكبير، تذكرت سند لم تراه منذ آخر حديث بينهما و لا تعلم أين هو، حاولت كثيراً سؤال السيدة حكمت عنه إلا أنها فضلت الصمت بآخر لحظة، سمعت حديث سناء خلفها الذي جعل الفضول يأخذ حيز كبير برأسها : _ سي سند بيه هيرجع النهاردة و الكفر كله هيعمل له حفلة كبيرة، تروحي ليه خليكي معانا على أول الكفر عشان كلنا نستقبله.. وقفت مكانها لعدة لحظات بدقات قلب متعالية ستراه اليوم و تأخذ جرعتها المميزة من رائحة عطره، قشعريرة لذيذة أصابتها لتعود الي مقعدها غير متحكمة بجسدها، اسمه بمفرده ينير بداخلها نيران الإشتياق التي تحاول محاربتها بقدر المستطاع.. بللت شفتيها قائلة بتوتر : _ هو سند أقصد الكبير جاي النهاردة، أقصد يعني هو كان مسافر فين، أقصد يعني كان مسافر؟!.. تعجبت سناء من هذا الارتباك الواضح عليها لتقول بهدوء : _ بقى أنتي عايشة في البيت الكبير و مش عارفة صاحبه مسافر و الا لأ؟!... ظهر الضيق على ملامح وعد، هي بالفعل تقطن بجناحه طوال هذا الشهر و لا تعلم أين هو، من حال الأصل لا يهمها وجوده من عدمه، أكملت سناء حديثها : _ سي سند بيه بيروح القاهرة كل فترة يقعد هناك شهر أو أقل، في ناس بتقول عشان شغله هناك و في ناس بتقول و الله أعلم له بيت تاني هناك و بيروح يشوف الجماعة بتاعته... توقف عقلها عند كلمة بيت آخر، هل هذا اللعين متزوج بالقاهرة و يلعب بها هنا؟!.. لا يكفي أنها متحملة فكرة زواجه أكثر من مرة قبل أن يتعرف عليها، نغزة قوية بقلبها جعلتها تضع كفها عليه تريد منه الصمود و من عينيها عدم البكاء. ضغطت على شفتيها بقوة قبل أن تسأل بملامح لا تبشر بالخير : _ محدش يعرف طلق أكتر من مرة قبل كدة ليه يا سناء... أومأت إليها سناء ببعض الحزن قائلة :. _ عشان العيال يا دكتورة مفيش و لا واحدة من حريم سي سند شالت الكبير الجديد و هو مكنش صبور بصراحة سنة بالكتير و يطلق و يجيب غيرها، بس بعد الجوازة الأخيرة فضل من غير جواز زي سنتين أهو... سألتها من جديد : _ طيب ليه قعد سنتين هو مش عايز عيال زي ما بتقولي... قبل أن تجيب الأخرى انتفضت من مكانها بحماس مع وصول الطلقات النارية المحتفلة بعودة سند الكبير، أخذت وعد من يدها قائلة : _ يلا يا دكتورة دي بتبقى حفلة حلوة أوي... على أول الكفر دلفت سيارات الحراسة، سيارته في المنتصف، وقفت السيارات ليفتح إليه الغفير الباب، وضع أول ساق له على الأرض و بعدها أنزل عصاته، أشار للغفير بفتح الباب الآخر للسيارة لتخرج منها امرأة في غاية الجمال من لا يعرفها سماح الكبير ابنة عم سند و كانت بيوم زوجته الأولى... مدت كفها إليها ليأخذ كفها بين يديه مبتسما للناس، بدأت الهمهمات عنها لماذا عادت؟!.. و هل هي زوجته الآن؟!... صمت الجميع مع نظرة منه ليقول هو بهدوء : _ كلكم عارفين الست سماح، هي راجعة تقعد في البيت الكبير وسط أهلها و ناسها و قدامكم و قدام ربنا دي أختي الصغيرة، شكراً على المقابلة يلا كل واحد على بيته... بطرف عينه رآها تأكل نفسها و عينيها تكشف كل قطعة بجسد ابنة عمه، انتظر رحيل الجميع ثم اقترب منها، بداخل عينيه لمعة مشتاقة قابلتها هي بغضب مصاحب بغيرة واضحة مثل الشمس، إبتسم إليها قائلا و هو يشير لابنة عمه : _ سماح الكبير بنت عمي و دي الدكتورة وعد يا سماح... ترقرقت الدموع بعينيها و هي ترى تعلق هذه الجميلة بذراعيه كأنها تقولها أمام الجميع هو ملكي، تلون وجهها باللون الأحمر و هي تضغط على نفسها بعدم البكاء مردفة بجملة واحدة قبل أن تركض بعيدا : _ حمد لله على السلامة يا سند بيه... _____________ جلس بغرفة الصالون منتظرا قدوم السيدة الصغيرة "همت" ليعطي لها أول درس باللغة العربية، أخذ البعض من عصير البرتقال ثم جاء ليضع الكأس إلا أن يده تجمدت مكانها، امرأة في غاية الجمال و الأنوثة تحمل عقل طفلة صغيرة... ابتسم بلا إرادة مع كل خطوة تقترب بها منه و يرى ابتسامتها البريئة المزينة بحماس شديد، علم من سند أنه كان يعمل مهندسا بالكفر و قريبا جداً من العائلة، بداخله يقين غريب أنه كان قريب منها هي فقط و ليس باقي العائلة، ذكريات بسيطة و صور مشوشة تجمع بينهما بعقله ثم تذهب سريعا دون معرفة أين الصورة أو ما سببها... انتبه لجلوسها على المقعد المجاور إليه مقدمة كفها الذي يحمل كشكول الورق و قلم جاف أزرق مردفة : _ الورقة و القلم أهم يا مسيو يلا نبدأ الحصة بقى... أخذ منها القلم و الكشكول ثم بدأ الحصة، مر الوقت سريعا دون أن يشعر به، لا يعلم كيف أخذ يشرح لها ثلاث ساعات دون ملل و كيف هي تحملت تلك المدة؟!... ألقى القلم على الطاولة قائلا : _ بس يا ستي لحد كدة كفاية النهاردة فهمتي بقى الدرس؟!... أومأت اليه سريعا ليقول بنصف إبتسامة : _ يعني لو سألتك في أي كلام قولته تعرفي تجاوبي؟!... أومأت إليه مرة أخرى بابتسامة رائعة تأخذ قطعة من روحه معها ثم اردفت بسعادة : _ أيوة طبعاً أنا شطورة و فاهمة كل حاجة قولتها ليا، تعرف يا مسيو دي أول مرة أحب الفرنساوي بالشكل ده... جذابة بكل تفاصيلها رغم أنها عفوية بسيطة لا تفعل أي مجهود و لو بسيط للإثارة، طفلة الجلوس معها محبب لقلبه، بعدم وعي سألها : _ إيه رأيك نلعب سوا بعد ما الدرس يخلص؟!... لم تقل شي بل ركضت للأعلى بسرعة البرق و أتت بعدها بثواني معها دميتها همت الصغيرة كما أطلقت عليها و دمية أخرى على هيئة رجل، جلست قائلة : _ بص بقي يا مسيو دي عروستي همت الصغيرة اللي كانت بتتعالج و ده بقى عريسها؟!.. قال بمرح و هو يحمل عنها الدمية الرجل مشيراً إلى الدمية الموضوعة بيدها : _ ماشي يا ستي اللي معاكي همت و عريسها بقى له إسم و الا نجيب له إسم سوا؟!... رفضت ببعض الضيق قائلة : _ نجيب له إسم ليه!! لا طبعاً هو له إسم حلو أوي و أنا بحبه... ابتسم لها يحاول كتم ضحكته على ضيقها الطفولي اللذيذ قائلا بجدية مصطنعة : _ بس بس يا ستي خلاص بلاش تقلبي وشك، من غير زعل إسمه ايه البيه ده بقى... رفعت كفها تخطف الدمية من بين يديه و هي تضمها إليها : _ إسمه حمد ما همت و حمد بيحبوا بعض... ___________ عادت للبيت الكبير بوجه جامد، تصنعت الإبتسامة للسيدة حكمت التى تجلس بغرفة الإستقبال، أشارت إليها العجوز بالاقتراب لا تريد الجلوس مع أحد أقصى أمنياتها العودة لغرفتها و الجلوس بها بعيدا عن الجميع، إلا أنها أومأت بهدوء ثم جلست بجوارها مردفة : _ مساء الخير يا تيتة.. ضربتها الأخرى على ظهرها بخفة قبل أن تقول بعتاب : _ في إيه يا وعد تروحي شغلك من أول ما النور يطلع و ترجعي تهربي في الاوضة مالك مش عايزة تقعدي معانا و الا إيه؟!... حركت رأسها نافية ثم قالت بصدق : _ لأ و الله يا تيتة بس أنا جديدة في الشغل و حابة أثبت وجودي و لما برجع بكون تعبانة جداً، النهاردة عشان سند بيه رجع الكل مشي بدري... ابتلعت لعابها مع تلك النظرات المتفحصة لأقل تفصيلة بها، دائما تشعر أن تلك السيدة تحاصرها بنظراتها و كأنها تقرأ ما بها، أخفضت وجهها لتسمع صوت السيدة حكمت بوقار : _ ليه مصممة تعذبي قلبك و تعذبي قلبه هو كمان معاكي، و إياكي تفكري إني بتدخل بنكم أنا بس نفسي أشوفكم في أفضل حال... رفعت وجهها إليها بابتسامة ساخرة من حظها التعيس الذي جعلها تقع بغرامه، رجل بلا قلب أناني لا يفكر بأحد سوي نفسه، هو يريد، هو يرى، هو أخذ القرار، فقط كأن العالم يدور من أجله، أخذت نفس مرهق قائلة : _ أنا عارفة إن حضرتك كل اللي يهمك راحة حفيدك، و معاكي كل الحق بس أنا مش مرتاحة لا في البيت و لا في أي مكان هو موجود فيه، لو سمحتي يا تيتة لو أنا فعلا غالية عندك بلاش كلام في الموضوع ده تاني نفسيا مش مؤهلة للكلام في أي حاجة تخص سند بيه... _ أنا عايزك في مكتبي يا دكتورة معاكي خمس دقايق... تعلم صاحب هذا الصوت و من غيره يتعامل بصيغة الأمر، قامت من مكانها دون الالتفات إليه مقبلة رأس السيدة حكمت بهدوء قائلة : _ أنا جاية من الواحدة هلكانة هروح أنام شوية بعد إذن حضرتك يا تيتة... لابد لهذا العصيان من حدود حتى لا يصبح الأمر خارج عن السيطرة، كلما حاول التعامل معها بهدوء حتى لا يزيدها جرحا على جرحها تفعل ما لا يحمد عقابه، مل من تلك الحالة الباردة هو اعتاد عليها قوية تحاربه و تتحدث معه لما تبتعد ألف خطوة بتلك الطريقة، أ كل هذا لأنه قالها لها صريحة يرغب بها دون شعائر الحب الكاذبة؟!.. نظر إليها بقوة و هي تحاول الخروج من جواره مردفا : _ قولت عايزك في المكتب يا دكتورة... ليس لديها طاقة للجدال لذلك قالت : _ حاضر يا سند بيه اتفضل أغير هدومي و هكون عند حضرتك.... ______________ بعد مرور خمسة عشر دقيقة... يجلس على نار منتظرا قدومها، يسير بغرفة المكتب ذهابا و إيابا متبقي دقيقة واحدة و يخرج نيران من أذنيه، غاضب لأكبر درجة ممكنة، تخيل أي شيء إلا هذا البرود خصوصاً بعد غياب شهر عنها، رسم برأسه نظرات الاشتياق التي سوف تستقبله بها لتخيب كل أحلامه و تذهب مع الرياح... قلب المقعد بقدمه صارخا بالخادمة التي أتت إليه بسرعة البرق مرتعبة ابتلعت ريقها من ملامحه التي لا تبشر بالخير مردفة بتقطع : _ أمرك يا سي... رد عليها بصوته الخشن مصحوبا برنين الغضب : _ روحي نادي الدكتورة وعد... دلفت وعد بملابس بيتية مريحة عبارة عن عباية إستقبال باللون الأحمر الغامق و حذاء بيتي أسود، ابتسمت للخادمة باحترام قائلة : _ اتفضلي أنتي يا طنط أنا جيت أهو... أغلق الباب خلف الخادمة ثم قامت بالجلوس على المقعد السليم مردفة بتعجب : _ ايه اللي عمل في الاوضة كدة يا سند بيه؟!.. حضرتك كويس؟!... ابتسم باتساع ها هي تسأل عليه و أزالت قناع البرود الذي ليس له مكان، تعشقه مهما حاولت إظهار عكس ذلك، رفع رأسه بزهو قائلا : _ أنا كويس أو مش كويس ده مش موضوعنا يا دكتورة و الا ايه؟!... لم يبدو عليها أي ردة فعل بل أردفت بلا مبالاة و هدوء : _ عندك حق؟!.. ايه بقى الموضوع اللي حضرتك عايزني عشانه.... صك على أسنانه بغيظ من هذه الحمقاء، ضغط على كفه بقوة حتى لا يخرج عن السيطرة و ينزل بها على عنقها يخنقها، لحظة ما هو الموضوع المهم الذي يريدها به؟!. شعر بالتوتر لعدة ثواني لا يعلم ماذا يقول يحاول البحث عن أي موضوع، قطعت أفكارها و هي ترفع حاجبها مردفة ببراءة : _ إيه يا سند بيه حضرتك نسيت الموضوع أجي في وقت تاني؟!... جلس على مقعده ثم أردف بانتباه : _ ها لا استني عايز أقولك موضوع مهم بس مش عارف ابدأ منين.. ضرب الفضول عقلها لتقول سريعاً : _ قول أنا سامعة حضرتك... حدق بها بخبث أخيراً علم ماذا يقول، أخذ نفس عميق قبل أن يتحدث بجدية : _ طبعاً أنتي شوفتي سماح بنت عمي من شوية، في الحقيقة يا وعد هي مش بنت عمي بس دي كمان كانت أول زوجة ليا، أنا فكرت كتير قبل ما أسافر أجيبها بس قعدت مع نفسي و أخيرا قدرت آخد قرار في علاقتي بيها، دي بنت عمي و رفضت الجواز من أي راجل بعدي عشان كدة أنا قررت أرجع لها تاني... هزة كهربائية عنيفة أصابتها بمقتل، أهذا ما يرغب به العودة لزوجته الأولى؟!.. اكتشف فجأة أنه يحبها و لا يستطيع العيش بدونها، كأن العالم بأكمله توقف من حولها حتى أنفاسها ترفض الخروج من بين ضلوعها بسهولة، ماذا يريد منها ان يراها فاقدة للروح أمامه ليرتاح هو؟!.. ضمت كفيها ببعض لتعطي لنفسها القليل من القوة ثم حاولت إخراج صوتها طبيعي قدر المستطاع متسائلة : _ ربنا يتمم بخير عين العقل أنتوا أهل و لازم ترجعوا لبعض تاني، بس السؤال هنا يا سند بيه أنا مالي و مال الموضوع ده مش شايف إنه خاص شوية و أنا ماليش علاقة بيه؟!... إبتسم إليها ببراءة لا تمت إليه بصلة ثم اردف : _ مهو أنا طالب منك تقربي بنا أنتوا ستات زي بعض و ااااا... قطعت حديثه مردفة بذهول : _ أنت عايزني أكون مرسال بينك و بين طليقتك؟!... _____________