قلبى لمن بقلم امل نصر

أما في البيت، فقد تبخر خوفهم المزعوم الذي ظهر في المستشفى بمجرد أن حلّ المساء. كأن تعبها وانهيارها كان “حالة مؤقتة” وانتهت، ولم يراعِ أحد جسدها الذي مازال به اثر التوعك في الصباح. كانت غاية اهتمام والدتها جملة فاترة:

ـ “يا بت اقعدي النهاردة ارتاحي بدل ما تتعبي وتدوخينا تاني.”

وحين رأت الأم إصرار ياسمين على الذهاب، جاء رد “رشدي” مغلفاً بتهكمه المعتاد:

ـ “خلاص يا ستي.. هي عارفة مصلحتها، لو تعبت أكيد هتتصل بينا وتعرفنا.. صح يا بت؟”

ـ “صح يا بابا.”

خرجت الكلمة من صدر ياسمين مثقلة باليأس والمرارة، قبل أن تنسحب بصمت وتأتي إلى هنا، حيث وجدت “الاستقبال الحافل” الذي رمّم كسر خاطرها.

كانت تتابع عبد الرحمن وهو يبتعد نحو مكتبه بعد مزاحه اللطيف، وشعرت لأول مرة أن هذا المكان هو “بيتها الحقيقي”، وأن هؤلاء الغرباء هم أهلها الذين اختارهم لها القدر ليعوضوها عن يتم المشاعر الذي تعيشه في دارها. نظرت إلى زميلاتها بامتنان، وقررت أن تستمتع بهذا الدفء، متناسيةً لوقتٍ قصير أن خلف هذا الصفو يتربص “جمال” كظلٍّ أسود لا يملّ من التدبير.

…………. …………

كان يجلس في المطعم بعنجهيةٍ واضحة، ظهره مسند إلى الكرسي وعيناه مسمرتان في شاشة هاتفه، يقلب فيها بمللٍ وغضب مكتوم بينما ينتظر النادل. أما سما، فكانت في عالمها الخاص، غارقة في “هوس” الكاميرا؛ تارةً تميل برأسها لترسم “بوز البطة” الشهير، وتارةً تضبط زاوية الإضاءة لتلتقط صورةً مثالية تنزلها “ستوري” على إنستجرام، مذيلةً إياها بكابشن يفيض تملقاً: “أحلى غدوة في أجمل مكان مع عوض العمر وحبيب قلبي”

لم يكن “عوض العمر” منتبهاً لوجودها أصلاً، بل كان غارقاً في أفكاره السوداء. التقطت سما عدة صور للمكان، متبوعةً بفيديوهات قصيرة تستعرض فيها فخامة المطعم، قبل أن تضع هاتفها أخيراً على الطاولة وتنفخ بضيق:

ـ “وبعدين بقى؟ أنا جوعت قوي.. هو الأكل كل ده بيجهز؟ ما تنده على الجرسون يا جمال!”

قالتها بدلعٍ مصطنع وهي تتمايل أمامه، لكن جمال الذي كان واصلاً لقمة الخنق منها ومن حركاتها، رد بنبرة جافة لا تحمل أي مودة:

ـ “جرى إيه يا سما؟ ما إنتي شايفة المكان زحمة والناس كلها مستنية، الجرسون مش هيطير يعني عشان سواد عيوننا! وبعدين إنتي مش كنتي لسه بتصوري؟ مالحقتيش تجوعي في دقيقتين يعني؟”

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68 69 70 71 72 73 74الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *