قلبى لمن بقلم امل نصر

كان الأمر أشبه بالحلم حين تفاجأت بـ عبد الرحمن معها في الطائرة نفسها، مرتدياً حلةً أنيقة كعادته، يحمل بين يديه باقةً من الزهور الفواحة، ويقترب منها وخلفه مضيفتان؛ واحدة تحمل علبةً مغلفةً بأناقة، والأخرى تحمل قالب “كيك” مزيناً بطريقة رائعة.
نظرت ياسمين نحو الشيخة بتساؤلٍ ودهشة، فأجابتها الأخيرة ضاحكة بلهجتها الإماراتية:
ـ “أنا مالي خص.. هو اللي شبط فيّ! لقيته محب وغلبان وقررت أركبه معانا الطيارة، دام إنه كدة كدة بيشتغل معانا.”
التفتت ياسمين إليه برأسها سريعة، ليتحدث هو بنبرة هادئة وواثقة:
ـ “معلش، لو تسمحي لي أبقى عضو في فريق تسويق البراند الجديد يا ياسمين.. ده لو ما يزعلكيش يعني.”
ردت عليه بسخرية لم تخلُ من بريق الفرح في عينيها:
ـ “يعني أنت جاي عشان الشغل؟!”
ابتسم عبد الرحمن وهز رأسه ببطء، قبل أن يمد إليها باقة الزهور قائلاً بنبرةٍ اخترقت حصونها
ـ ـ “لا.. أنا جاي عشان أقدم اعتذاري، وأطلب السماح من ‘عطر الياسمين’.. إنه يحنّ عليا ويرضى يديني فرصة تانية في الرجوع.”
بشيء من الأسى، اختفت الضحكة من على فم ياسمين بتذكرها سبب الانفصال المرير، ففهم عبد الرحمن ما يدور بخلدها، وسارع بطمأنتها بنبرة يملؤها الصدق:
ـ “وقسماً بالله ما هيحصل اللي في مخك يا ياسمين.. أنتِ أصلاً فوق مستوى الشك حتى لو كان الأمر مش بإيدك. أنا مقدر مخاوفك، بس عايز أطمنك إني بعد ما فكرت كويس، عرفت إني لا يمكن أقدر أسيبك ولا أتخلى عنك مهما كانت ظروفك.”
مرت لحظة من الصمت بينهما، وهي تطالعه بتردد وتبحث في عينيه عن الأمان، والشيخة العنود من الناحية الأخرى تتابع الموقف بصبرٍ بدأ ينفد، فتدخلت بلهجتها المحببة:
ـ “يلا يا ياسمين.. اعطفي على حال الغلبان، وعلى ضمانتي الشخصية! يلا خلينا نسوي الخطوبة ونفرح بكلمة ‘تم’.”
هنا انفجرت ياسمين ضاحكة، وكأن الضحكة غسلت كل أحزان الماضي:
ـ “نعمل الخطوبة هنا في السما؟ فوق السحاب؟”
كانت ابتسامتها بمثابة بشرى التقطها عبد الرحمن بلهفة:
ـ “يا ستي عشان نبقى مميزين.. بس قولي آه!”
ضحكت العنود تؤيده بحماس:
ـ “قالها لج يا ياسمين.. قولي آه وريحينا!”
في تلك اللحظة، جاء ردها أخيراً لتنير دربها بضحكة صافية:
ـ “آه.. موافقة.”
صدحت على الفور أصوات الزغاريد من المضيفات، وتقدمت المضيفة بالعلبة المغلفة، ليتناولها منها عبد الرحمن ويخرج خاتم الخطوبة الماسي الذي يلمع كبريق عيني ياسمين، ثم أعطاها دبلته الفضية لتلبسها في إصبعه. انحنى عبد الرحمن برقيّ، وضم كفها بين يديه مقبلاً رأسها بتقديرٍ فائق، وسط أجواء احتفالية صاخبة من العنود والعاملين معها، قبل أن يتشاركا في تقطيع قالب الحلوى، إيذاناً ببدء مرحلة جديدة من حياتهما؛ حياة عنوانها الثقة، وبدايتها من أعلى نقطة في السماء




