قلبى لمن بقلم امل نصر

زفر بضيقٍ وهو يتذكر محاوراته معها؛ فما من مرةٍ حاول الحديث معها في موضوعٍ جاد إلا ووجدها غارقة في تفاصيل هبلاء تخرجه عن شعوره. حتى حين كان يحاول التريث والهدوء، لم تكن تصغي إلا لما يوافق هواها من أخبار الموضة، أو طلبات الهدايا، أو تفاصيل “الاستوري” التي ستنشرها.
ورغم أنه في حياته لم يتمنَّ امرأةً لعقلها أو رجاحة فكرها، إلا أن “هطل” سما وفراغ رأسها جعله يدرك ـ رغماً عنه ـ قيمة تلك النعمة التي تفتقدها خطيبته وتتمتع بها ياسمين. كان يرى الآن بوضوح أن ياسمين التي زهد فيها، هي “الأصل” والثبات، بينما سما ليست سوى قشرةٍ لامعة تخفي خلفها خواءً مستفزاً.
تمتم بغل وهو يزيد من سرعة سيارته:
ـ “ما هو برضه انا اللي كنت حمار لما رفضت ياسمين اللي عقلها يوزن بلد من اول مرة اشوفها وأقعد معاها نتعارف، عشان اختار عليها واحدة مابتعرفش تنطق كلمتين على بعض غير هات وجيب؟ تعالي نتصور، رد على الاستوري عشان اوريه للبنات واقول دا خطيبي واغيظهم بيك.
كانت المقارنة تأكله من الداخل؛ فنجاح ياسمين في لفت أنظار عائلة محترمة كعائلة عبد الرحمن، وثباتها أمام استهزائه، جعله يشعر بمدى خسرانه، وبدلاً من أن يلوم نفسه، صبّ كل هذا الاحتقار على سما، التي أصبحت في نظره مجرد عبءٍ مادي وعقلي لا يطيقه
………………………
قاد حتى وصل إلى مقر الشركة التي يعمل بها عبد الرحمن، ركن سيارته بعيداً قليلاً وظل يتأمل واجهة المبنى بتفكيرٍ عميق، يقلب في رأسه تبعيات ما سيحدث خلف المقابلة التي سوف يجريها مع الاخر، ناويا على نجاح مسعاه باي طريقة
حسم أمره وترجل من سيارته، متقدماً بخطوات واثقة ليدخل الشركة، حتى وصل إلى مكتب عبد الرحمن.
………………………
تفاجأ عبد الرحمن به يقف فوق رأسه دون سابق إنذار، وعلى وجهه ابتسامة “لزجة” مريبة، وهو يقول بمودةٍ مصطنعة:
ـ “سلام عليكم يا برنس.. ممكن اخد من وقتك لحظات؟”
نظر إليه عبد الرحمن بدهشةٍ لا تخلو من ريبة، لكنه حافظ على وقاره المهني؛ وقف ليصافحه ثم أشار بيده نحو الكرسي المقابل لمكتبه قائلاً بهدوء حذر:
ـ “وعليكم السلام.. اتفضل يا جمال، خير؟”
جلس المذكور واضعاً قدماً فوق الأخرى بتبجح، وبادر بالحديث ليدخل في غرضه فوراً:
ـ “لا مؤاخذة يا صاحبي، أنا جايلك النهاردة في شغل.. مصلحة يعني.”





