قلبى لمن بقلم امل نصر

كانت ياسمين جامدة بصورة تثير القلق والارتياب، لم ترد بكلمة واحدة على والدتها التي كانت تسألها بجزع لتطمئن عليها ولو بلفتة صغيرة، لكنها لم تفعل.. كل ما فعلته أنها ظلت للحظات محدقة بعيني والدها، الذي كان يجاهد ليدعي القوة أمامها ويوهم نفسه بأنه صاحب حق رغم شعوره القاتل بالخطأ.

تجاهلت “جمال” وشقيقتها تماماً، وكأنها لم تعد تراهما، وظلا يرقبانها بوجل في انتظار أي رد فعل، حتى تحركت فجأة بخطوات آلية متوجهة إلى غرفتها، وأغلقت الباب خلفها بهدوءٍ مرعب، مخلفة وراءها صمتاً أشد إيلاماً من صوت الصفعة ذاتها

…………………………..

كان وقع كلمات “اعتدال” كالمطارق فوق رأس “رشدي”؛ فالحقيقة التي كانت تحاول إخفاءها لسنوات برزت الآن عارية وقاسية أمام عينيه.

ـ “كان لازم تسمع منها قبل ما تمد إيدك عليها يا رشدي.. بنتك لو ضاعت مننا هتبقى أنت السبب يا رشدي!”

كانت اعتدال بنحيب متواصل توجه اللوم نحو زوجها، الذي كان ضميره يؤنبه بالفعل منذ اللحظة التي لمست فيها كفه وجه ابنته. استمع منها للقصة كاملة، ومنذ تلك الساعة والبيت يلفه صمتٌ جنائزي؛ بنتهما حبيسة غرفتها، ترفض الخروج أو حتى طمأنتهما، ولا تقبل أن “تبل ريقها” بقطرة ماء، رغم أن الوقت قد تجاوز منتصف الليل.

كلما حاولا الطرق على الباب، لم يأتِهما سوى رد واحد بصوتٍ واهن مكسور:

ـ “عايزة أقعد لوحدي.”

رد رشدي بعصبية محاولاً التملص من وخز ضميره:

ـ “ما خلاص بقى يا اعتدال وكفاياكي تقطيم فيا! أولع في نفسي يعني عشان تستريحي؟ هو لولا بنتك وقلة أدبها أنا كنت همد إيدي عليها؟”

ـ “بنتي عمرها ما قلة أدبها!”

صرخت بها اعتدال في وجهه وهي تسقط على الأريكة بتعب، ودموعها لا تتوقف:

ـ “طول عمرها مفيش في أدبها.. ساكتة وهادية وراسية، بتقبل بقليلها حتى وهي عيلة صغيرة، عقلها دايماً كان سابق سنها. لكن إحنا استغلينا ده وبقينا نيجي عليها في كل حاجة عشان عارفين إنها هترضى، مش زي أختها اللي بتاخد زيادة عن نصيبها وإحنا بنديها بطيب خاطر عشان نأمن إنها متزعلش مننا!”

شهقت بالبكاء وهي تواصل بمرارة:

ـ “طول عمرنا كنا ظلمة معاها، عمرنا ما كنا عادلين.. فضلنا نضغط ونضيّع عليها كل حاجة حلوة لحد ما وصل الظلم لمستقبلها كمان.. يا رب.. يا رب سامحنا.”

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68 69 70 71 72 73 74الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *