قلبى لمن بقلم امل نصر

…………..
طلعت شمس اليوم التالي وياسمين في عينيها سواد سهر طويل، لكنه لم يكن سهر بكاء فحسب، بل كان سهر “خلاص”. قررت ياسمين أن هذه الليلة السوداء كانت آخر عهدها بانتظار “النصيب” الذي يأتي في جلسة صالون ليُقيمها كسلعة. أحكمت غلق قلبها، وفتحت عقلها على مشروعها الصغير، وظلت طوال الليل تتنقل بين المواقع والصفحات حتى وجدت خيطاً لشركة تسويق كبرى تدعم الحرف اليدوية.
ارتدت ملابسها الرسمية، وحملت حقائبها التي صنعتها بدم قلبها، وتوجهت إلى مقر الشركة. هناك، وفي مكتب يفوح منه عبق العمل والنظام، كان اللقاء مع “عبد الرحمن”.
كان عبد الرحمن شاباً عملياً، حاد النظرات، يبدو عليه أنه لا يجامل في العمل. تفحص حقائبها ببرود استفزها، ثم ألقى بواحدة منها على المكتب بإهمال قائلاً:
ـ “شوفي يا آنسة ياسمين.. الشغل كفكرة كويس، بس الفنش فيه عيوب كتير، والغرزة هنا واسعة، واللون ده مش موضة السنة دي خالص.. إنتِ فاكرة إن أي حد بيمسك إبرة وخيط يبقى فنان؟”
شعرت ياسمين بشرارة غضب تشتعل في صدرها؛ فجرحها لا يزال ينزف، ولم تكن في حالة تسمح لها بتقبل إهانة لعملها الذي هو مهربها الوحيد. وقفت بحدة وقالت ونبرة صوتها قوية:
ـ “عيوب؟ حضرتك بتتكلم عن غرزة ‘هاند ميد’ مش مكنة صينية! لو كنت بتفهم في التعب اللي بيتبذل في كل عقدة خيط، مكنتش قولت الكلام ده. وبعدين لو اللون مش عاجبك، فده ذوق سوق، مش عيب في الصناعة!”
رفع عبد الرحمن حاجبه، وظهرت على شفتيه ابتسامة خفيفة، وكأنه كان ينتظر هذه الانتفاضة منها ليخرجها من حالة الوجوم والجمود التي دخلت بها المكتب. رد ببرود مدروس:
ـ “والله؟ وأدينا طلع لنا صوت وبنرد أهو! أنا قولت إنك جاية مغصوبة على الشغلانة دي من كتر ما وشك كان مقفول ومش طايقة كلمة. بس كويس، العصبية دي معناها إنك غيورة على شغلك.”
احتدت ياسمين أكثر، واقتربت من مكتبه وهي تشير لشنطتها:
ـ “أنا مش جاية هنا عشان تحلل شخصيتي أو تقيم وشي ‘مقفول’ ولا ‘مفتوح’. أنا جاية لشركة محترمة تعرض شغلي. لو مش قد المقام، آخد حاجتي وأمشي، والسوق مليان!”
ضحك عبد الرحمن هذه المرة بوضوح، وسند ظهره إلى الكرسي قائلاً بنبرة أهدأ:
ـ “اقعدي بس يا آنسة ياسمين وهدي أعصابك. أنا كنت بختبر صبرك وثقتك في منتجك، لأن اللي يسوق لازم يكون نفسه طويل. وشغلك الحقيقة فيه لمسة غريبة وجميلة، بس فعلاً محتاج توجيه بسيط عشان يكتسح. هاه.. لسة عايزة تمشي؟”



