قلبى لمن بقلم امل نصر

…………………..
تحدث العريس المدعو جمال، واضعاً ساقاً فوق الأخرى ببرودٍ يثير الأعصاب، وهو يوزع نظراته بين الحضور، حتى استقر ببصره على ياسمين التي كانت تحاول تثبيت ملامح وجهها لتخفي بركان الغضب بداخلها. بابتسامةٍ باردة تتوشح “البراءة المصطنعة”، تحدث وكأن شيئاً لم يكن بالأمس:
ـ “يا أهلاً يا ياسمين.. اخيرا نورتينا. مكنش ينفع نتمم الاتفاق من غيرك، إنتِ برضه غالية علينا كلنا، وبما إنك أخت سما الكبيرة، فأكيد رأيك يهمنا.. مش كدة يا سما؟”
شعرت ياسمين أن الدم يغلي في عروقها، وأن سقف الغرفة يكاد يهبط على رأسها. نظرت إليه محاولةً ألا تظهر ارتجافة صوتها، وردت من بين أسنانها بكلماتٍ مقتضبة:
ـ “ألف مبروك.. ربنا يتمم لكم على خير.”
لم تكد تصمت، حتى تحدثت سما، التي كانت تجلس ملتصقة به كأنها تحميه من “سرقة” أخرى، لتمسك بيد ياسمين وتضغط عليها بابتسامةٍ كاذبة بلغت حد الغثيان:
ـ “يا روحي يا ياسمين! والله كنت عارفة إنك أطيب قلب في الدنيا. إنتِ اللي علمتيني كل حاجة، وإنتِ أحلى وأجدع مني بمراحل.. بجد، ربنا يرزقك باللي يقدر قيمتك ويستاهل قلبك الطيب ده، لأنك بجد جوهرة.”
هزّ باقي الجالسين رؤوسهم بالموافقة، وكأنهم في “مسرحية” مُعدّة جيداً لتلقين ياسمين دور “المضحية المثالية”. أم العريس أضافت بصوتٍ رخيمٍ مفعم بالنفاق:
ـ “طبعاً يا حبيبتي، ياسمين دي غالية، والرزق بييجي في وقته، وكل اللي بيحب الخير لغيره ربنا بيفتح له أبوابه.”
كل كلمة كانت تنزل على قلب ياسمين كأنها ضربة مِعول. شعرت بقبضةٍ حديدية تعتصر صدرها، ونَفَسها بدأ يضيق لدرجة الاختناق. لم تعد قادرة على تحمل هذا “الاستعراض” المفضوح للنفاق. نهضت فجأة، وهي تستند بيدها على حافة الطاولة لتتماسك:
ـ “عن إذنكم.. مش قادرة أكمل، مصدعة شوية وهدخل أستريح.”
لم تنتظر رداً، بل تحركت بخطواتٍ متعثرة نحو غرفتها، وأغلقت الباب خلفها بقوةٍ لم تقصدها، لكنها كانت تعبيراً عن رغبتها في عزل العالم. ألقت بنفسها على السرير، ووضعت يديها فوق أذنيها لتحجب أصوات الضحكات والمجاملات التي كانت تتسرب عبر الشقوق، لتصل إلى مسامعها كأنها سكاكين تنغرس في صميم كرامتها. تمنت لو أن الأرض تنشق وتبتلع تلك الليلة، أو أنها تغفو لتستيقظ وتجد كل هذا مجرد كابوسٍ سخيف، لا واقعٍ مرير يفرض عليها أن تكون “المبارِكة” لخذلانها



