قلبى لمن بقلم امل نصر

كان جمال يغلي؛ فكرة أن ياسمين الآن في “حِمى” عبد الرحمن، يستفرد بها في مكتبه، يواسيها بكلماتٍ معسولة أو يحيطها باهتمامٍ رآه بعينه في المستشفى، كانت كافية لتجعله يفقد صوابه. لم يكن ذهابه للشركة بدافع الاطمئنان، بل كان “غزوة” يخطط لها ليقطع الطريق على أي تقارب، وليثبت لعبد الرحمن قبل ياسمين أنه واقفا لهما بالمرصاد.
أما سما، فكانت في عالمٍ آخر، بدأت تعدل من هيئتها وتنظر في مرآة حقيبتها وهي تهمس لنفسها:
ـ “أحسن برضه.. أهو الواحد يغير جو الكآبة ده، ونشوف الشركة الشيك دي والمستر اللي يفتح النفس.”
خرجا من المطعم بخطواتٍ واسعة، جمال يسبقها بخطواتٍ كأنه يسابق الزمن، بينما كانت هي تحاول ملاحقته بكعبها العالي.
…………………….
في وقت الاستراحة، لم ترغب ياسمين في الانخراط في ضجيج “الكافيه” أو البقاء في مكتبها لتلوك الأحاديث المكررة مع زميلاتها، بل سحبتها قدماها نحو الفناء الخارجي للشركة؛ حيث تقبع بضع شجيراتٍ وارفة داخل السور، تنسجُ بظلالها ملاذاً آمناً من صخب العمل. كان الهواء المنعش يمرُّ كبلسمٍ يداوي جراح الروح، فاستسلمت له، وأغمضت عينيها لتستشعر تلك النسمات وهي تلامس وجهها وتداعب خصلات شعرها في “لحظة صفاء” كانت تفتقدها بشدة.
غابت ياسمين عن العالم لثوانٍ، حتى شعرت بظلٍ يقطعُ تسلل الشمس إلى جفونها، ففتحت عينيها فجأة لتجد أمامها “عبد الرحمن”. كانت الابتسامة تملأ وجهه، ونظراته تحمل مزيجاً من الإعجاب والسكينة؛ فانتفضت بداخلها وظهر الارتباك جلياً على حركاتها، وكادت أن تعتدل في جلستها بوجل، لكنه تدارك الموقف بلباقته المعهودة وهمس بنبرةٍ هادئة:
ـ “أنا أسف.. شكلي قطعت عليكي لحظة صفاء كنتِ محتاجة لها.”
استجمعت ياسمين أنفاسها، وحاولت مداراة خجلها وهي ترد عليه بصوتٍ مرتعش قليلاً:
ـ “لا أبداً يا مستر، حضرتك مش قاطع حاجة.. أنا بس كنت بشم شوية هوا، المكان هنا بجد مريح للأعصاب.”
ابتسم عبد الرحمن وهو يتأمل هدوء المكان، ثم قال بمشاكسة رقيقة:
ـ “معاكي حق، الشجر والضل هنا يخلوا الواحد ينسى ضغط الشغل.. بس قولي لي، صحتك دلوقتي أحسن؟ مش عايزك تضغطي على نفسك، لو لسه تعبانة ممكن تروحي وتكملي راحة.”
نظرت إليه ياسمين بامتنان، وشعرت أن الهواء الذي كانت تستنشقه صار أكثر عذوبة بوجوده، وردت بعفوية:



